آخر الأخبار

لستُ شاعرا

 لستُ شاعرا

إنني أعرِفُ بحورَ الشعر وصحيحَه وسقيمه، إنني أستطيع معرفةَ بحرِ أيِّ بيت من البحور الخليلية بمجرد سماع البيت أو القطعة أو بمجرد قراءته دون تأمل، لا أحتاج لتقطيع البيت في الورق ولا في الرمل، إنني أستطيع تمييزَ الموزون والمنكسر ومعرفة موضع الانكسار وطريقة تقويمِه بأدنى تأمل.

 

إنني أستطيع نظم أبيات موزونة فصيحة، ولكنني لستُ شاعرًا!

 

إنني نظمت مقطوعات شعرية في مناسبات مختلفة دون تكلف ولكنني لم أنشرها ورميتها جانبًا، لم أرم بها لأن فيها خللًا في الوزن أو في اللغة ولكن لأنني لا أعتبرها شعرًا، ولم أنشر إلا منظومات رجزية قليلة لأنني لا أعتبر الرجز شعرًا وإنما أعتبره وسيلة لجمع المنثور كي يسهل حفظه وتداوله.

 

يجب أن نفرق بين الشعر وبين النظم! قبيلة قريش – وكانت سيدة قبائل العرب في البلاغة والفصاحة – لم يشتهر منها بالشعر إلا أفراد قليلون، وقد اشتهر من الجاهليين ستة! واشتهرت من شعرهم سبع قصائد أو عشر قصائد!

 

والصحابة رضوان الله عليهم ينظمون الشعر وينافحون عن الإسلام بكل ما أوتوا من قوة ولكن لم يذكر منهم في الشعراء إلا قلة، وكان شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم يُعدَّون على أصابع اليد الواحدة! وأشهرهم حسان بن ثابت رضي الله عنه، ومثلًا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول الشعر وينافح عن النبي صلى الله عليه وسلم في المشاهد – وإن قيل إنه لم يصح عنه إلا بيتان – ولكنه لم يُذكَر في شعراء النبي صلى الله عليه وسلم!

 

والكتب التي أُلِّفت في طبقات الشعراء لم تذكُر إلا قليلًا، فمثلًا لم يتجاوز مجموع الشعراء الذين ترجم لهم ابن قتيبة في «الشعر والشعراء» 206 شعراء، بين جاهلي، ومخضرم، وإسلامي، ومَن عاصروه من العصر العباسي!

 

مشكلتنا أننا نريد أن يكون كلُّ فرد منا شاعرًا! كُلَّما درَسَ أحدُنا شيئًا من النحو وعلوم اللغة وحفظَ مختارات من الشعر أراد أن يكون شاعرًا، ورُبَّما أجهدَ نفسه في نظم شيء من الشعر وخاصة شعر المناسبات الذي يُلقى أمام الناس ويتداولونه فيما بينهم كغرض الرثاء؛ ليحفظ الناس شعره ويتداولونه. وقد قيل لي في مناسبة أو مناسبتين: لِمَ لا ترثي فلانًا وقد حضَرَ تعزيتَه جمعٌ غفير من الناس!

 

إن هذه الفوضى تؤدي إلى تمييع الشعر وسلْبه حقيقته وتلبيس الصورة على الأجيال، وتشغل أذهاننا فيما ليس وراءه طائل، كما أنها تضر بسمعة بلادنا!

 

إن بلادنا فيها شعراء مفلقون بَيْد أن فيها مليون ناظم، ومن بين هذا المليون ألف شاعر مجيد، ولكِن مَن يستطيع تمييزَ ألفٍ من مليون! حتمًا ستختفي الألف في المليون اختفاء الإبرة في كومة القش!!!

 

يجب أن نعترف بأن في أشعارنا كثيرًا يستحق النقد بل يجب نقده كما قال الشيخ محمد بن بتار مجيبًا أبياتًا للأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف يسأل فيها عن حكم نقد الشعر:

 

“هنيئًا مَريئًا غير داءٍ مُخامرٍ” * لمُنتقدٍ في الشِّعر أدْوَأَ داءِ

فقمْعُ رديءِ الشعرِ إنْ هو لم يكُنْ * مِن الواجب العَينيِّ فهْو كِفائِي

ولا سِيَّما إن تُلْفِه وهْو رافعٌ * عقِيرتَه في المحْفل المترائي

 

إخواني يجب أن نعلم أن الشعر ليس بهذه البساطة كما قال الحطيئة:

الشِّعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلَّمُهْ * إِذا ارتَقى فيهِ الذي لا يَعلَمُهْ

زَلَّت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُهْ * يُريدُ أن يُعربَه فيعجمُهْ

 

وكما قال ابن محمدي رحمه الله:

والشعرُ صعبٌ عزيزٌ ليس يُدركُه * سِوى ذكيٍّ حديدِ الفهْمِ قد ثقُفَا

 

إن للشعر شروطًا وأركانًا ومحسنات تجب مراعاتها، كما قال أبو الحسن الكاتب في «البرهان في وجوه البيان»: (يحتاج الشاعر إلى تعلُّم العروض؛ ليكون معيارًا له على قوله، وميزاناً على ظنه، والنَّحو ليُصلحَ به من لسانه، ويُقيم به إعرابَه، والنَّسب وأيام الناس؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب، فيذكرهما فيمَن قصَدَه بمدح أو ذم، وأن يرويَ الشعرَ ليعرف مسالكَ الشعراء ومذاهبهم وتصرُّفهم فيحتذي مناهجهم، ويسلك سبيلهم. فإذا لم يجتمع له هذا فليس ينبَغي أن يتعرَّض لقول الشعر، فإنه ما أقام على الإمساك معذورٌ، فمتى تعرَّض لما يَظهَرُ فيه عيبُه وخطؤه كان مذمومًا.. فإذا كملت هذه الأدوات ورأى من طبعه انقياداً لقول الشعر وسماحة به قاله، وإلا لم يكره عليه نفسه، فالقليل مما تسمح به النفس، ويأتي به الطبع خير من الكثير الذي يحمل فيه عليها..

 

والذي يُسمى به الشعر فائقًا، ويكون إذا اجتمع فيه مستحسنًا رائقًا: صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، واعتدال الوزن، وإصابة التشبيه، وجودة التفصيل، وقلة التكليف، والمشاكلة في المطابقة، وأضداد هذه كلها معيبة تمجُّها الآذان، وتخرج عن وصف البيان).

 

وعن بعض شعراء بلادنا يقول الشيخ محنض بابه بن امين حفظه الله في مقدمته لشرحه لمجموعة من قصائده: (والشاعرُ إذا لم يكنْ عندَه توليدُ معنًى واختراعُه، واستطرافُ لفظٍ وابتداعُه، وزيادةٌ فيما أجحَفَ به غيرُه من المعانِي، ونقصٌ مما أطالَ به سواهُ من الألفاظِ والمباني- فإطلاقُ لفظِ الشاعرِ عليه مثلُ ذلك الإطلاقِ، والـمُجازَفَةُ في الكلام من مَّساوِئ الأخلاقِ.

 

وبهذا يُعلمُ أن الشاعرَ في هذه البلادِ مَن له معرفةٌ ببعضِ قواعدِ اللغةِ العربيةِ والأوزانِ العَرُوضيةِ، وقدرةٌ على نظمِ أبياتٍ متساويةِ الأجزاءِ خاليةٍ من نُّكتِ البلاغةِ وَنُكتِ الصِّناعةِ الشعريَّةِ، معَ توكُّئِهِ في الغالبِ على معانِي القدماءِ وأساليبـِهم؛ لقلَّةِ حظِّه من الاختراعِ والتوليدِ، واكتفائِهِ بالتنسيقِ والتقصيدِ).

 

وأختم هذه الخاطرة بهذه الأبيات المشهورة الذي ذكر قائلها أربعة أنواع من الشعراء كل واحد منهم يطلق عليه اسم شاعر مع اختلاف رتبهم:

الشُّعراءُ فاعلمَنَّ أربعَهْ * فشاعرٌ يَجرِي ولا يُجرى معَهْ

وشاعرٌ ينشِدُ وسْطَ المَعمَهْ * وشاعرٌ مِن حَقِّه أن تَسْمَعَهْ

وشاعرٌ من حَقِّهِ أن تَصْفَعَهْ