آخر الأخبار

موريتانيا إلى أين؟

 موريتانيا إلى أين؟

إن موريتانيا اليوم تعيش مرحلة جدخطيرة لا يبدو أن الكثيرين مدركين حجم المشكلات ولاحجم مخاطرها واحتمال تأثير انعكاساتها المقلقة فالمشكلات البنيوية الكثيرة التي رافقت البلاد منذ الولادة مافتأت تتوسع وتتضخم وفي كل مرحلة تتولد مشاكل جديدة من المشاكل الموجودة أو من مشاكل تتأتى من التعثر في رحلة الحياة المتعرجة وكثيرة المطبات وهكذا تراكمت المشاكل وتضخمت وتعقدت وأصبحت في كل يوم جديد تزداد خطورة .
وفي السنوات الخمس عشر الأخيرة السنوات الأخيرة من حكم الرئيس معاوية بن سيد أحمد الطائع وعشرية حكم محمد بن عبد العزيز أصبحت المشكلات التي ظلت تنمو في المراحل السابقة بمستوى من التضخم يحتم الإسراع في التنفيس عن بعض الاختناقات ووقف تدهور بعض جوانب من الحياة ليمكن تجنب خطر انفجار مدمر وكوارث لاتبقي ولاتذر إذا استمرت الأمور تتطور في نفس الاتجاه، ورغم حساسية الوضع لم يجر التعامل معه بما يخفف الضغوط وينفس من الأختناقات
والغريب أن كل مايجري من تناقضات ومايعتمل داخل المجتمع من تطورات يحدث و”الإنتلجنسيا ” الوطنية في غالبيتها تغط في نوم عميق، فترى أحزابا كبيرة ذات طموحات و برامج لاتتضمن برامجها مايدل على إدراك مكامن الخطر في الوضع الداخلي ولا تحتوي اقتراحات تنويرية تأشر لحلول جذرية تستهدف علاج المشكلات التي يشكل عدم علاجها مخاطر كبيرة على البلد،وترى مثقفين سوسيلوجيون كبار واقتصاديون وإنتربلوجيوين يتحدثون في كل الموضوعات ولايحددون مكامن الخطر
في بنية المجتمع ولايقدمون رؤى ترفع الوعي بالحالة!
أما الأنظمة فلم تلق بالا لطقطقة القنابل الموقوتة التي اشرفت على التفجر في بنى المجتمع المتهرئة فظلت هذه الانظمة تسير بعيون مغمضة عن التناقض الفظيع داخل المجتمع ترقع وتسير وسط الأمواج بسفينة مقعرة متهالكة توشك على الغرق بين فينة وأخرى !!
إن استمرار نظام اللامساواة الأجتماعية والأقتصادية لم يعد يمكن تركه دون علاج..
و إنه من نافلة القول التوضيح أن ليس للنظام القائم مسؤولية فيما وصل إليه الوضع من خطورة وتعقد فلم يكن للنظام الحالي دور في التطورات التي أوصلت لهذا الوضع شديد التأزم ؛ وإنما عليه بوصفه النظام الموجود الآن أن يعلم أن الوقت الذي كان يمكن فيه استمرار الأمور دون حل قد انتهى ،
علينا أن نواجه الوضع ونعالجه أو نستعد لوضع مظلم لانعلم لايعلم إلا الله ما ينتظرنا فيه لقد ظل يتبين ويزداد كل يوم وضوحا لمن له بصيرة أو عقل أن صلاحية نظامنا الذي كنا نحيى انتهت وأصبح المطلوب منا تجديد وتغيير أسلوب العلاقات وتخفيف الفوارق ضمن خطة وبرنامج يدشن رحلة الألف ميل لإنهاء الفوارق بين الفئات نهائيا لكن الطبقة الحاكمة بقسمها الذي في السلطة وذاك الذي ينتظر دوره للوصول للسلطة الجميع لايرون إلحاح تصليح و تصحيح الحالة البنوية للمجتمع التي انتهت صلاحيتها أو إمكان استمرارها ولو يوما واحدا!!
إن عدم الالتفات من الجميع لعلاج عدم الانسجام في المجتمع ترتب عليها ارتفاع في درجة الأحتقان وحدة غير معهودة في اللهجة التي يعبر بها بعض المجتمع عن عدم رضاهم عما يجري لكن ذلك لم يؤثر كثيرا في وعي الطبقة السياسية الحاكمة فكان أكثر ما فكرت فيه ترضية البعض وإسكاتا للبعض وبرامج محدودة التأثير لاتمس من المجتمع إلا بقدر ما يأخذ الطير بمنقاره من البحر!!!
أما العلاج الشامل باالصراحة والموضوعية المطلوبتين فلم يدخل ذهنية المجموعة الحاكمة والأغرب من ذلك أنه لم يدخل ذهنية الجزئ الأكبر من المعارضة للنظام ومن “الإنتلجينسيا” التي يفترض أنهم نتيجة ثقافتهم قادرون على إدراك الواقع، فالكثيرون ظلت مواقفهم ضبابية وغير مقتنعين بتغيير بنية المجتمع الفاسدة فأكثرهم لايرونها فاسدة ويرون المشاكل الرئيسية في مكان آخر !!
هذ الوعي القاصر للواقع الاجتماعي عقد الأمور وزاد من خطورتها حتى وصل الأمر للمستوى الذي عليه اليوم حيث يستحيل تأجيل البدئ بخطوات واسعة وعميقة دون تأخير والأمل أصبح ضئيلا أن تجري المعالجة دون هزات عنيفة تؤثر على استمرار السلم والاستقرار..
كما أن استمرار أسلوب حكوماتنا في التسيير ظل عائقا يحول بيننا وبين التقدم على كل الصعد لقد تحولنا من فوضى مطلقة وبداوة و”سيبة” إلى نظام مدني لا يخلو من فوضى وبقية عقلية “السيبة ” لقد كنا في مراحل الاستقلال الأولى في عهد المختار -رحمه الله- والرعيل الأول الذي بدأ كسلطة ناشئة في البلد يحاول نسبة من العقلانية في التسيير و أوجدوا نظام تفتيش لابأس بفعاليته رغم ضعف الوسائل وضعف الخبرة و بدأت خطوات من التقدم تتحقق شيئا فشيئا بحيث بدأنا في أوائل السبعينات قبل حرب الصحراء نتوسع في الإنشاءات ومشاريع البناء..
لكن الترشيد ومراقبة التسيير توقفا تقريبا مع مجيئ الحكومات العسكرية التي أصبح شغلها الشاغل حفظ أمنها والتمسك بالسلطة وكانت وسيلتها الأولى التي اعتمدتها هي إطلاق يد حاشيتها ومناصيرها في مقدرات الدولة وبناها ومؤسساتها المختلفة فنمت أشكال من الفساد بجميع اشكاله : فتم تخريب وتصفية مؤسسات كثيرة وأفلست، وأفلست بنوك وساد اختلاس المال العام والرشوة والمحسوبية والوساطة وصار التطور نحو المزيد من الفساد والمزيد من الفساد بشكل مضطرد حتى بلغ الوضع درجة لا يمكن استمرارها كما هو الوضع الذي نحن فيه اليوم فأي تراخ في وقف الفساد يشكل انتحارا للنظام علم ذلك النظام أو لم يعلمه
سيان .
ومع الوضع الاجتماعي المتفجر وحالة الفساد السائد في التسيير فإن حالة البيئة لاتقبل تأجيل المعالجة فبيئتنا تلفظ أنفاسها ونحن نلهو غير مبالن نترك الحرائق تلتهم دون رقيب أو حسيب والتقطيع والحرق جار لآخر غطائنا النباتي ونتحدث عن حماية الطبيعة وعن تشجير هنا وهناك !!
كأننا نضحك على أنفسنا نترك الحرية لتدمير متواصل وإنهاء آخر حيوان أو طير في بيئتنا ونتحدث فيما لا طائل منه عن ميزانيات ووزارات بييئة و…و…و… مما لايسمن ولايغني إن بيئتنا تنتظر قرارات جدية وإجراءات فعلية لن يمكنا قبل وعي حقيقي وإدراك للعلاقة بين الإنسان وبيئته وإدراك عدم صلاحية بيئتنا لأي شكل من الحياة بعد وقت قصير من الآن إذا لم نبدأ الآن الآن ونوقف جميع التقطيع للأشجار وحرقها من أجل الفحم لقد حان لنا أن نجعل الغاز بديلا عن الفحم ونوقف نهائيا مايجري في بيئة صارت في النزع الأخير أو نكون قد حكمنا على نفوسنا بالضياع!!!
الخلاصة أن هناك حقيقتان يجب أن لا تغيبا عن الأذهان:
أولا: أن هذا النظام لا يتحمل المسؤولية عن تكون وتعقد هذه المشكلات إنها مستمرة موجودة طيلة التاريخ الوطني وتشكل إرثا والرثته الأنظمة للأنظمة التي تخلفها ومشكلة النظام الحالي أنه وجد في هذا الوقت الذي بلغت فيه المشكلات تمام نضجها وتجلي خطورتها.
ثانيا:إن المشكلات الكثيرة في الواقع الوطني لا يمكن حلها مالم تتم معالجة المشكلات الثلاث التي حددنا
إن عدم معالجة وضعنا الاجتماعي لم يبقي مسألة نتحدث عنها ولانفعل لها شيئا لقد أصبحت من الخطورة بحيث لا تتحمل تسويفا أو تأجيلا وعلينا ان ندرك ذلك قبل فوات الأوان ولم يكن ممكنا تعاملنا مع مقدراتنا بالسفه وسوء التصرف اللذين تعودنا عليهما واللذين بددنا بهما جل ثرواتنا وحرمنا أنفسنا من القضاء على الفقر والجهل والمرض ومن إنشاء الطرق والبنى التحتية وتوفير الماء الشروب لبلادنا حان لنا أن ننهي الفوضى وعقلية” السيبة ” ومنطق” حواص ” إن عدم إنهاء الفساد بمثابة حكم إعدام على وطننا لا شيء أقل من ذلك ..وإن ترك البيئة تنحدر بلا توقف وعدم وقف التدمير وبدؤ المعالجة لايمكن تصور حجم ضرره كل هذه الأمور لايمكن مواجهتها قبل وعي وإدراك لأهميتها وخطورتها فإن لم ندرك مدى خطورة هذه المشكلات فلن نعرف إلى أين نحن سائرون ؟؟!!!

التراد ولد سيدي