تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

نهاية التقييم وأوان التقويم

خميس, 2021/09/30 - 11:38م
د. سالم فال ابحيدة

منذ أغسطس 2019 دخلت البلاد بسلاسة في مرحلة مباينة لما كانت تعيشه منذ أزيد من عشر سنين غلب عليها الهدوء والتواصل، وطبعها التفاعل الايجابي بين كافة أفرقاء السياسة وفاعلي المجتمع المدني من جهة، والسلطة القائمة من جهة أخرى..

 

وصاحب هذه الفترة وخاصة في بدايتها قدر كبير من الأمل في تحقيق تنمية مستدامة وتأسيس لعهد مدني يشجَّع فيه المحسن ويُبعد المسيء ويحاصر فيه الفساد والمفسدون..

 

فقد تم نشر تقارير محكمة الحسابات نهاية 2019 وبدأ النواب معارضة وموالاة في التحضير للتحقيق في ما شاب "العشرية" من فساد، وما صاحب المشاريع التي نفذت فيها من هدر للموارد؛ فتم تشكيل لجنة التحقيق البرلمانية نهاية يناير 2020 لتتولى التحقيق في فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ولا يزال المسار متواصلا لحد كتابة هذه الأسطر، وبعد وصول موجة جائحة كوفيد-19 بلادنا منتصف مارس من العام الماضي تحدث الرئيس أمام الصحافة: 18/03/2020 عن الاستعداد والإعداد لمواجهة الوباء، ثم خاطب الأمة: 25/03/2020 واضعا شبكة أمان للبلاد صحيا واجتماعيا، ومستبقا تداعيات الجائحة على الفئات الأكثر ضعفا – رغم كثرتهم - بحزمة من المساعدات – رغم يسرها-، وكان لتوزيع بطاقات التأمين الصحي المجاني على أكثر من مائة ألف مواطن في: 28/5/2021 دوره الكبير في بث روح من التفاؤل والأمل في ما هو قادم.. هذا قليل من كثير يذكر فيشكر، ويرى فيقدر ويُستدرُّ..

 

وبعد مرور عامين من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني واستعانته في تنفيذ برنامجه الانتخابي بطيف واسع من من يفترض فيهم الخبرة والمعرفة بالقطاعات التي كلفوا بتسييرها رغم وجود استثناءات واضحة في بعض القطاعات وعلى رأسها وزارات سيادية، وتركه الوزراء و مسيرو المرافق العامة يباشرون عملهم بأريحية بعيدا عن التوجيه والضغط، وربما المقاسمة والاقتطاع أو على الأقل هذا ما يبدوا للمراقب من الخارج.

 

فإن مرحلة تقويم العمل بعد تقييمه قد تكاملت حلقاتها وآن أوان تنفيذها، وقد أُعطي الجميع الوقت الكافي وزيادة لينجزوا ويبنوا، أو يفسدوا ويبددوا إذا ما رغبوا وقدروا.

 

ولتقييم منصف يمهد لتقويم مثمر سنتناول معالم من مثالب عمل الحكومة في العامين الماضيين مركزين على نوعين من الهدر هما: هدر الموارد وهدر هيبة الدولة على أن نتناولهما على التوالي.

 

هدر الموارد: صفقات التراضي

حسب وكالة الأخبار المستقلة فإن صفقات التراضي في البلاد لمدة 13 شهرا بلغت 200 صفقة تراضي بغلاف مالي تجاوز 83.6 مليار أوقية قديمة تضمنت فترة المتابعة خمسة أشهر من 2020 ابتداء من 3 - 7 ثم ثمانية أشهر من العام الجاري ابتداء من يناير وحتى أغسطس الماضي وتصدرت القطاعات الحكومية التالية واقع صفقات التراضي:

  • وزارة المياه والصرف الصحي 18.7 مليار من خلال 19 صفقة تراضي
  • مفوضية الأمن الغذائي 18 مليار قديمة من خلال 87 صفقة تراضي
  • وزارة الإسكان 13.2 مليار من خلال 15 صفقة تراضي
  • وزارة التجهيز والنقل 10 مليارات من خلال 4 صفقات تراضي
  • وزارة الصحة 5.89 مليار من خلال 30 صفقة تراضي
  • وزارة التنمية الريفية أكثر من 5 مليارات أوقية قديمة من خلال صفقة واحدة

 

أي أكثر من 70.79 مليار أوقية قديمة بما يعادل 84.67% من مجموع ما تم رصده من صفقات تراضي..

 

ورغم أن قطاعي المياه والصرف الصحي والأمن الغذائي تصدرا الصفقات بما مجموعه 36.7 مليار أوقية قديمة فإن إمدادات المياه في الفترة الماضية شهدت كثيرا من التذبذب والانقطاع بدرجة كان الجميع يظن بأن البلاد تجاوزتها، وغرق عاصمتنا الاقتصادية بثلاثين مم فقط في الأسبوع الماضي يؤكد أن الإنفاق على الأقل اتجه لغير الأولوية، ومشروع دكاكين التموين (أمل سابقا) تراجع تزويده في الفترة الماضية بدرجة غير مسبوقة قبل أن يعود تزويده في الأسابيع الماضية بشكل خجول وبكميات محدودة، وكانت التدخلات الاستعجالية في الفترة الماضية قليلة بسبب جودة موسم الأمطار من العام الماضي.

 

هذا بالرغم من سعي المشرع الوطني في مدونة الصفقات لتضييق حالات اللجوء لصفقات التراضي لأضيق حد توخيا للجودة وترشيدا للموارد، حيث وضعت المدونة شروطا محددة للتفاهم المباشر من خلال القسم الثاني منها المسمى بـ: الطرق الخاصة لإبرام الصفقات في المواد من 31- 34، وهو ما يحتاج لوقفة جادة لإبقاء صفقات التراضي في وضعها الاستثنائي وتوجيه العمل الحكومي لتحقيق الأولويات والابتعاد عن الهدر والتبديد فالحاجيات كثيرة والموارد محدودة..

 

هدر هيبة الدولة

الوعيد...!!

شهدت الفترة الماضية حالات غريبة من التصريح بتأخر أشغال الطرق والجسور والتهديد بالعقوبة حيث دأب معالي وزير التجهيز والنقل على الزيارات المتلاحقة لأشغال - جسري نواكشوط وجسر روصو- ومقطع بتلميت ألاك من طريق الأمل؛ وتكرار الإعلان عن تأخر القائمين على تنفيذ تلك الأشغال في التزاماتهم وتهديدهم بفسخ العقود معهم، ثم ما يلبث أن يعود لزيارة تلك الأشغال ويؤكد على تأخر إنجازها والوعيد بالعقوبة وآخر ذلك يوم السبت 25/09/2021 حيث قام بزيارة "لمشروع جسر الحي الساكن" معيدا نفس الوعيد في حلقة مفرغة من الزيارات والوعيد تجاوزت العشر لحد الآن منذ: 17/10/2020، وقد ألفته الشركات المسؤولة عن الأشغال وتعود عليه المراقب ومله المواطن.

 

إعلان خفض الأسعار....!!

تعتبر مشكلة ارتفاع الأسعار في بلادنا من أعوص المشكلات التي تواجه المواطن وصانع القرار في آن، وخاصة بعد إفلاس سونمكس أو تفليسها 31/01/2018 حيث بُترت آلية تدخل الدولة لتحقيق التوازن بين العرض والطلب والمحافظة على القوة الشرائية للمواطن، ففي العام الماضي كان للحزمة الاقتصادية التي تضمنها خطاب رئيس الجمهورية 25/03/2020 وخاصة إلغاء كافة الرسوم الضريبية عن القمح والزيوت والحليب المجفّف والخضروات والفواكه أي ما يمثل حوالي 50 بالمائة من قيمة واردات البلاد من المواد الغذائية ولغاية 31 ديسمبر 2020 دوره الواضح في كبح جماح ارتفاع أسعارها، غير أن العام الجاري شهد قدرا من الاستهتار وكثيرا من الارتجال ففي ظل ارتفاع الأسعار عالميا بسبب استمرار الجائحة وغيره، عمدت الحكومة ممثلة بوزارة التجارة لإجراء جولات ماراتونية من اللقاءات والتفاوض مع كبار موردي المواد الغذائية بهدف المحافظة على سعرها بمستويات مقبولة والتخفيف من حمى المضاربة والاحتكار الذي يجيده تجارنا، حيث أعلنت وزيرة التجارة 23/01/2021 عن اتفاق مع الموردين يقضي بخفض أسعار: السكر والزيت والأرز الموريتاني والقمح، معتبرة أنها سلع إستراتيجية ستتولى الدولة تحديد أسعارها بعيدا عن المضاربة وتقلبات السوق، لتعاود الأسعار كرتها في الارتفاع وتدخل الوزارة في جولة جديدة من المفاوضات انتهت قبيل دخول شهر رمضان المبارك بإعلان تخفيض سعر الخبز لدى أكشاك ستوفرها اتحادية المخابز..!

 

ومع زيادة ارتفاع الأسعار وكثرة المطالبة بضبطها صرح الناطق باسم الحكومة 07/07/2021 أن لا ارتفاع يزيد عن الحد في أسعار المواد الاستهلاكية، معتبرا أن التذبذب في الأسعار حالة عادية..!!

 

ومع تفاقم الارتفاع وزيادة أثره السلبي وجه رئيس الجمهورية الوزراء في اجتماعهم المنعقد: 01/09/2021 إلى الإسراع بتحديد قائمة المواد الاستهلاكية الإستراتيجية تمهيدا لضبط أسعارها، لتعلن الحكومة في الاجتماع الموالي: 08/09/2021  تخفيضا لأسعار بعض السلع يطبق اليوم التالي، وبالرغم من محدودية التخفيض فإنه بمجرد إعلانه لجأ الموردون والموزعون لسياستهم المعهودة وهي الاحتكار والمضاربة فشهدت الأسعار موجة جديدة من الارتفاع لم يخفف منها كثرة التصريحات بالزاميتها ولا التهديد بالعقوبة، وفي: 16/09/2021 أجرى وزير الداخلية لقاء مع الولاة عبر الفيديو حثهم فيه على السهر على متابعة أوضاع المواطنين بشكل عام ومسألة الأسعار بشكل خاص، وهو ما يبدوا أن تجار شارع الرزق والدكاكين الخصوصية - في نواكشوط على الأقل - لحد الآن لم يلتزموا به، أما دكاكين التموين – دكاكين أمل سابقا - فكمية توزيعهم اليومية محدودة جدا وفي كثير من الأحيان لا يتوفر لديهم إلا الأرز، هذا بالرغم من ما يلاحظ منذ أسبوع من زيادة في كمية التموين وفي أعداد المستفيدين اليومية منها والتي نرجوا أن تَتَضاعف حتى تخفف من ضغط الأسعار على المعدمين ومَنهم حولهم.

 

وفي افتتاحه للمنتديات العمومية لقطاع البناء والأشغال أكد رئيس الجمهورية على استحداث آلية وطنية لاستيراد المواد والسلع الأساسية، وتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة وهو ما نأمل أن يتم بسرعة، وبتخطيط جيد، وأن يُبعد عنه المفسدون ووكلاء رجال الأعمال وسماسرتهم.

 

وبالرغم من أن الناطق باسم الحكومة أعتبر في 15/09/2021 أنه: سيتم تطبيق الأسعار الجديدة مهما كلف ذلك، إلا أنه عاد في الأسبوع الموالي 23/09/2021 ليؤكد أنه لا إكراه في تخفيض الأسعار..!!

 

ويشترك مع هؤلاء كثير من القائمين على القطاعات الخدمية في كثرة التصريحات المرعدة بلا مطر والمهددة بلا أثر، فكثير ما أعتبر المدير العام لشركة الكهرباء أن انقطاع الكهرباء لن يحدث؛ ليتضاعف ذلك الانقطاع ويتكرر ويمتد وقته، كما أَلِف زميله المدير العام لشركة المياه تلك التصريحات وأعادها لتتنوع انقطاعات إمدادات المياه وتتعدد أمكنتها..، هذا رغم قناعتي بأنهم جميعا مُكِّنوا مما طلبوا، وَوُفرت لهم الوسائل الكافية للقيام بعملهم وخدمة بلدهم على الوجه الأكمل، وتُركوا يعقدون صفقات قطاعاتهم بما يُفترض أنه يخدم العمل والانجاز، لكن نتيجة ذلك بادية في تردي الخدمات وضعف الإنتاج مقارنة بالإمكانيات، وزيادة اليأس بعد الأمل..  

 

أردت من هذه العجالة لفت الانتباه لدور التقويم بعد التقييم وأهمية التبديل بعد التولي، وخطورة التعود على الخطأ وملازمة تكراره، فالأحداث المؤسفة الأخيرة في الركيز خير دليل على أن المتابعة والتقويم المباشر وإبعاد المتهاون ضرورة لتفادي الفوضى وركوب موجة المطالب البسيطة، ومحاصرة مروجي ثقافة التأييس والتقنيط في صفوف ذوي الحاجة ممن ضعفت مطالبهم ورقت نفوسهم وسهل اقتيادهم وتوجيههم..

 

فالله الله في التعجيل بالتقويم والدفع بعجلة الإصلاح بمن عُلمت كفاءته وجُرِّب عمله، وتأخير من قل إنجازه، وكثرت زلاته، وتضاربت تصريحاته، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه..

 

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود الآية 88

 

والإصلاح أردت وما توفيقي إلا بالله