تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

جامعة الدول العربية والقمة "المحلية"

أربعاء, 2016/06/22 - 3:17م
بقلم/ م. محفوظ ولد أحمد

دعونا نقر بأن جامعة الدول العربية هي المؤسسة الكونية التي تدير العالم اليوم على الكرة الأرضية، وهي التي تراقب الكواكب القريبة؛ وتقيس كل خمس دقائق حجم ثقب الأوزون لتدبير حل يقي العالم أضراره؛ وفي مختبراتها العلمية بالقاهرة وتونس، وقريبا في حي الترحيل بانواكشوط... يتدرب العلماء من كل بلد على تنقيح الخريطة الجينية البشرية!

 

وكيف لا والجامعة قد أكملت إصلاح "بيتها" العربي ورتبته ترتيبا حسنا؛ حيث ألْفَت العرب متشرذمين في 22 دولة متشاكسة فسلكتهم في دولة موحدة، ذات حدود واحدة، وعملة واحدة، وجيش واحد، ونظام واحد؛ كما وجدت دولة الصهاينة الإسرائيلية تحتل فلسطين وما جاورها، فهزمتها وطردتها، واستعادت السيادة العربية على القدس وحيفا وعسقلان...

 

الجامعة العربية سرى فضلها أيضا على "الأصدقاء"، فمنحت المملكة المتحدة المعروفة ببريطانيا العظمى استقلالها الوطني في 22 مارس سنة 1945!

 

هذا يعني أن استضافة مؤتمر قمة الجامعة العربية شرف باذخ تتوق له كل مدينة في العالم فلا تدركه!

 

لكن يبدو أن هذا ليس هو الواقع تماما، لأن ما نشاهده هو أن القمة العربية أُبعدت عن وكر الجامعة في أرض الكنانة وصارت كالأجرب تُحلأ بكل منهل، حتى عبرت الصحراء الكبرى إلى النهر الصنهاجي!

 

**

هذه المؤسسة العربية العتيدة لا تحيى ولا تموت. وقد استقر خرفها وكَلَّ بصرها، و"حشْمت" على اجتماعات سنوية لصرف بقيةِ ما لديها من مال وماء وجه. وقد أمسَت تستضيفها الدول الأعضاء بالتناوب الإجباري، بعد أن لم يعد أحد "يتطوع" لاستقبالها.

 

وهكذا أصبح الحظ في النجاة من استضافتها معلقا بترتيب الحروف الأبجدية... وهي عدالة لا تُنجي أي عضو من الاستضافة وإن أنسَأَته بضع سنين!

 

جاء الدور على المغرب الشقيق، فاعتذر؛ وهو الذي طالما تطوع باستضافتها حين كانت هناك صبابة من أمل في الشمطاء! أما اليوم فلا صبر له على تزييف قمة عربية في هذا الزمن الأعجمي.

 

وهكذا كان المفروض أن "تطيش" قمة 2016 وتُكبس سنتها كأن لم تكن! وهو حل واقعي وجيه، بل أقرب إلى الرشاد؛ على أن يأتي الدور على الحرف الثاني أو الثالث بعد "الميم" في العام القابل ـ2017ـ فتُبتلى بها موريتانيا.

 

لكن موريتانيا قد اعتادت البلاء والابتلاء... وهي ظلت "معذورة" أو محذورة في شأن هذه الاستضافة، طالما وجد الأشقاء العرب عنها مندوحة. وبالتالي لم تحظ أبدا بكِفلها من شرف أو قرَف هذه الاستضافة. لكن هذه المرة شجعها "الناصحون" بعدما رأوا فيها "الحائط القصير" لإنقاذ هذه "العادة" العربية السنوية!.

 

استجاب الموريتانيون وأملهم في "الأجر" كبير، بأداء هذا الفرض الكِفائي اليوم، المُجزِئ عن الفرض العَيني غدا (2017).

 

والحقيقة أن في الموقف الموريتاني، مع هذا "الإيثار"، حنكة وحكمة وبراعة سياسية لا سابق لها؛ ذلك أن القمة إما أن تنجح (بمعيار الجامعة المتواضع جدا) فنكون أبطالاً ومنقذين نشامى، وإما أن تفشل (بأي معيار كان) ـ لا قدر الله ـ فنحن معذورون لا نلام، فهذه لم تكن قمتنا ولم نستعد لها؛ وحسبنا بذل الجهد المستعجل من أجل تفريج كربة أشقائنا!

 

**

الأمر الوحيد الذي لم أحسبه شخصيا ولا يطمئن كثيرا على المصداقية، هو ما بدأت ملامحه تظهر من "تأميم" القمة العربية لصالح "البوقولوجيا" المحلية، واعتبارها شأنا حزبيا داخليا متعدد "المنافع" السياسية والمادية طبعا!

 

وهكذا تحول الأمر من حدَث إقليمي روتيني، إلى إنجاز وطني، وبطولة سياسية موريتانية خالصة... تحققت "بفضل برنامج وتوجيهات فخامة الرئيس ومتابعة الوزير الأول"...الخ.

 

انتهى الأمر إذن! لقد وُضعت "قمة نواكشوط" في مدارها بمَجَرَّة منجزات النظام وفتوحاته الدبلوماسية الكبرى (كرئاسة الاتحاد الإفريقي الخالدة!).

 

ولو اقتصر الأمر على هذا النحو المألوف: حكومة تحقق المعجزات، وموالاة تزكي المنجزات، ومعارضة كافرة جاحدة فاسدة... لهان الخطب وانتهى الأمر وعرف كل أناس مشربهم!

 

لكن المؤشرات الدعائية تؤكد أن المتخلفين عن هذه الدعاية، الناكرين إبداع "انتزاع" كأس استضافة القمة من بين المتنافسين عليها، هم حتما "المفسدون" وأعداء الوطن، الناكرون للجميل؛ بل إنهم الآن على وشك اكتساب رذيلة جديدة غريبة على هذه البلاد، هي إهانة الضيوف و"الفضيحة في البرانيين"!

 

إذن فإنك إما أن تساهم في إنجاح القمة العربية وإكرام ضيوف الوطن، بالثناء أولا على الاستضافة وبيان ما فيها من نجاح للحكومة في حل مشاكل البلد، وإما أن تكون ناكرا للمعروف، مفضوحا في الضيوف، و"مفضوحا" على العموم!!

 

الخلاصة: نجاح قمة نواكشوط العربية، مضمون فقط بإبرازها في الإنجازات العملاقة التي تقاصرت عنها، عجزا أو "فسادا"، كافة الأنظمة السابقة! وهذا ما بدأ بالفعل؛ حتى إن أحدهم نشر أنها "نجحت قبل أن تبدأ"!! وهذا هو النجاح الوحيد الذي نتوقعه. أما الفشل فلا مجال للمزيد منه، في جميع الأحوال، لأن "المصغر لا يصغر ثانية" كما يقول المثل! ويقول أبو الطيب:

 

* لكل امرئ من دهره ما تعودا*وعادة سيف الدوله..... مختلف جدا!!