تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

الدكتور طه محمد فال في ذكرى رحيله الثانية

خميس, 2016/06/16 - 11:39ص
الأمين / مياه

بعد الكثير من الإحجام والإقدام والتفكير استطعت أن أخفف من حدة العاطفة المشبعة حزنا وأن أكبت عشرات الخواطر وأن أقول بكل بساطة إن الدكتور محمدن ولد محمد فال الملقب طه شاب متواضع بشوش تعلو محياه الوضَّاء رزانة الأديب وتلوح في قسماته مخاييل النباهة والنبوغ وفي عينيه بريق الإخلاص وملامح الجد والاجتهاد دخل هذه الحياة كما دخلها الناس وخرج منها كما يخرجون وبين الفعلين "دخل" و"خرج" ظرف زمني لم يطل وأنى له أن يطول وقد أبرم القدر ما أبرم، وأحكم في زرده ما أحكم.

 

لِيَوم القيامة يبقى السؤال *** هل الموت في شكله المُبهَمِ

هو القدر المبرم اللا يرد *** أم خادم القدر المبرم

 

وهل تملك الشمس إن حان مغيبها إلا أن تغيب والنجم إن حان أفوله إلا أن يأفل

 

أحقا عباد الله ألست رائيا *** رفاعة بعد اليوم إلا توهما؟

فأقسم ما جَشَّمتُه من ملمة *** تَؤود كرام القوم إلا تَجَشَّما

ولا قلت مهلا وهو غضبان قد غلى *** من الغيظ وسط القوم إلا تبسما

 

وكأن لَمَّةً من مَلَكٍ نفثت في رُوعِه "إن مُقامَك لن يطول فأدِّ رسالتك وارحل" فشمر عن ساعد الجد وهو شاب يفع وطفق الفتى يفترع المعالي ويشق الطريق نحو التميز والفرادة.

 

تَجَرَّدَ للعلا شَيْحَانَ يبغي *** مقامات عصين على الرجال

 

ولم يرض أن يكون عظامي المجد فقط بل جعل من قول الشاعر:

نفس عصام سودت عصاما *** وعلمته الكر والإقداما

وصيرته ملكا هماما *** حتى علا وجاوز الأقواما

 

حُداءً يحدو به نفسه الوثابة نحو العلا حتى صار عصاميا عظاميا

 

وينشأ ناشئ الفتيان فينا *** على ما كان عوده أبوه

 

ولا غرو

فهل ينبت الخطي إلا وشيجه *** وتغرس إلا في منابتها النخل

 

درس طه رحمه الله القرآن في قريته "لبير" وأخذ مبادئ اللغة والفقه على والده الفقيه محمد فال ولد عبد الباقي رحمهما الله ليعمق تلك المعارف لاحقا في محظرة أم القرى على الشيخ محمد سالم ابن عدود رحمه الله في الوقت نفسه كان يتابع دراسته النظامية فحصل على الباكلوريا شعبة الرياضيات وولج جامعة انواكشوط فكانت هناك محطة وضاءة من عمره حيث عرف بالالتزام والدعوة إلى الله والنضال الجاد عن حقوق الطلاب تخرج من جامعة انواكشوط ليلتحق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس حيث أكمل فيها مرحلتي الماستر والدكتوراه بميزة مشرف جدا في هذه الفترة تعرف الطلاب الموريتانيون في المغرب والأساتذة المغاربة على درة من درر موريتانيا وعلى نابغة من نوابغ شنقيط حيث جمع المرحوم خصالا قل أن تجتمع في شخص واحد من دماثة الخلق وكرم النفس ورحابة الصدر مع التميز والنبوغ في تخصصه العلمي "الرياضيات" ومشاركته العميقة في شتى مجالات المعرفة أما مجال الأدب فهو مجر عواليه ومجرى السوابق فقد كان يتقن الشعر بنوعيه الفصيح والشعبي ذات مرة علق على صورة لكاتب هذه الأسطر يمسك فيها ديوان المتنبي بيسراه قائلا :

 

أخذت كتاب ابن الحسين بقوة *** وأورثته من حكمة وبيان

وإن تك باليسرى أخذت فإنما *** لتدنيَه بالقلب خير مكان

رأيتك تصغي السمع لِيتًا لوحيه *** حديث معان أو حديث مبان

ولا غرو إن دار الحديث فأنتما *** أخيان كا أرضعا بلبان

 

كان رحمه الله محل ثقة جميع الطلاب والأساتذة وغيرهم من المعارف كان من مشيئة الله أن يكون طه أستاذا جامعيا يدرس في جامعة الملك خالد بمدينة أبها السعودية وبعد أن عرف هناك بعلمه وأخلاقه الكريمة وترك أثرا طيبا لا يزال يذكر فيشكر وحج واعتمر قدر الله ورضينا بقدره أن يودعنا طه يوم 2014/7/6 ووافق ذلك الجمعة السابع من رمضان الكريم

 

نعى ناعيا عمرو بليل فأسمعا *** فراعا فؤادا لا يزال مروعا

وما دنس الثوب الذي زودوكه *** وإن خانه ريب البلى فتقطعا

دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت *** تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا

فطاب ثرىً أفضى إليك وإنما *** يطيب إذا كان الثرى لك مضجعا

 

وووري جسده الطاهر في مدفن الحجون بعد الصلاة عليه في الحرم المكي رحمه الله تعالى وغفر له.

  

صحيح أن طه خرج من الحياة باكرا لكنه أحرز كنزا لا ينفد من العلم وحسن الخلق وشهامة النفس كما أنه ترك نهرا رقراقا من الحب والتأثير في نفوس الناس لم تعرف قيمته حتى رحل عن الحياة فخفقت القلوب حزنا وسالت العيون دمعا على فتى

 

فتى كان فيه ما يسر صديقه *** على أن فيه ما يغيظ الأعاديا

فتى كملت خيراته غير أنه *** جواد فما يبقي من المال باقيا