إعلان

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

هذه هي المرة الثانية التي يأتي فيها الدرس من موريتانيا

ثلاثاء, 2020/08/04 - 9:34ص
محمد محمود ولد بكار ـ إعلامي

انبهر العالم عندما قام الرئيس السابق، المرحوم العقيد اعلي ولد محمد فال، عن الكرسي على يمين المنصة في حفل تسليم السلطة البهيج، ليجلس على الكرسي المحاذي على اليسار تاركا المجال لرئيس منتخب عبر انتخابات  مصدقة محليا وخارجيا،  حاصدا بذلك مركزا  تاريخيا  للشعب الموريتاني على خريطة الأحداث في العالم، ومحققا مكاسب فريدة عن الدرس الموريتاني في الديمقراطية.

 صحيح أن آخر عهد لهذا الشعب بهذه المكانة عند نجدتهم للمسلمين في الأندلس سنة 1097م، وهكذا كانت هذه اللحظة تراثا موريتانيا ودرسا عالميا في منطقة ملتهبة بالانقلابات العسكرية وفي دولة سجلت 6 انقلابات وعدة محاولات انقلابية فاشلة  في ربع قرن. ولذات السبب، كان حدثا استثنائيا  حيث منح العالم درسا يمكن تعميمه ضد تزايد نسبة الانقلابات التي ظلت تعيق الاستقرار في المنطقة وتقف ضد فاعلية جهود محاربة الآفات الثلاث: الإرهاب، الهجرة والمخدرات، والتهريب في مرحلة لاحقة.

 صحيح  أن نشوة ذلك الانتصار لم تطل بسبب تهور محمد ولد عبد العزيز تماما (كما لو أنه جنِّي حول عرس إلى مأتم)، لكن ولحسن الحظ في كل مرة، يتم تصحيح الاتجاهات الرامية إلى إفشال البلد، فها نحن اليوم ، وفق منظور موحد يدعو للرضا، نسجل ثاني رسالة ملتهبة إلى العالم في التحام فريد بين أدوات الفعل الثلاث  (الإرادة السياسية والبرلمان  والشعب) تحمل سابقة أخرى في منطقتينا العربية والإفريقية المحيطة بنا على نحو ملهم بالإرادة الحية  كمساهمة موريتانية في المعركة الأممية ضد الفساد. هذه الخطوة سابقة في عالمنا العربي بشكل كلي وفي محيطنا الإفريقي على نحو مثير. إنها تجربة فاتنة لشعوب المنطقتين اللتين تواجهان سوء حكامة مفرطا وسلطة استبدادية تأخذ جذورها من غياب المحاسبة والعقاب،و لأنها لا تقدم الحساب لأي جهة وتعتبر نفسها فوق الجميع.

هذا الدرس الموريتاني الفريد سيقتلع ذلك التفكير من جذوره، وسيجعل سلوك الساسة أكثر عقلانية. إنه رمز لتطلع الشعوب التي ظلت تتفرج على التآمر الفاسد على المصالح الوطنية وعلى اقتناص مزايا غير مشروعة وغير مستحقة من المال العام في حين تزداد قاعدة البؤس والاضطهاد وترتسم لوحات مؤلمة من المتضورين جوعا على قارعة الطريق ومن المحرومين مشكلة قنبلة موقوتة تحت بساط الفساد.

إننا اليوم بصدد التأسيس للبلد وغلق الطريق أمام الأشخاص اللاّأخلاقيين الذين قد تأتي بهم الانتخابات للسلطة والذين يتصرفون برعونة وخواء روحي لإشباع عطشهم إلى مراكمة مظاهر الثراء التفاخري  الفاحش، وكأن السلطة ملكية شخصية لهم ولأسرهم مثل تجربتنا المريرة مع ولد عبد العزيز.

لا يمكن لولد الغزواني في بداية مأموريته أن يسمح لمؤسسات الدولة أن تكون وظيفية (مستقلة وتعمل ملْء صلاحياتها)، إلا حينما يكون يفكر على نحو مختلف، ويحاول الوصول إلى نتائج مختلفة، ويملك الشجاعة للدخول في مسار ضد الطرق التي تتمكن بها عادة الأنظمة الاستبدادية من الدوام، وتتصادم بها مع المصالح الذاتية والفردانية في السلطة، وهو ما جبل عليه العسكريون الذين يصلون للسلطة من أول يوم. ويمثل هذا المسار -عكسا لذلك- نموذجا مرجعيا لإعادة التأسيس، فقد كان المال العام بالنسبة للجيل الأول مدنسا للشرف، وكان المسيرون الأوائل  لا يبحثون عن مزايا شخصية  من مال الشعب، وهم مستعدون للتضحية من أجل حماية أنفسهم من عار التلطخ به، كما كانت هياكل النزاهة تعمل بفاعلية وأخلاقية وضمن جهاز الدولة وليست وسيلة ابتزاز في يد الرئيس. وهكذا وعلى درجة بعدنا اليوم من تلك المسلكيات  أصبحنا في أمس الحاجة للعودة لتلك التربية. إنها بوادر ثورة من الداخل  تتفاعل كي تنظف مؤسسة القرار  ولكي تأتي بنتائج إيجابية لآلية القرار وتدفع بترقية تفكير وسلوك الحاكمين والمحكومين بحيث يصبح الرئيس موظفا عند المجتمع وتنتظره عدالة الشعب عند كل انحراف عن أهداف الحوكمة، ويشعر الشعب أنه فعلا صاحب الشرعية. إنها أمور جديدة على شعبنا وعلى منطقتنا، أن يصبح الحاكم معرضا في كل وقت للمساءلة والمحاكمة. وتلك بالفعل هي سبيل الرئيس الحالي للاتساق مع الرأي العام، فالمسألة غاية في الأهمية بحيث لا تكون السلطة سيفا فوق رقاب الناس، بل تصبح عدالة الشعب وشرعيته هي السيف فوق رقبة الحاكم. إننا حينها سنتطلع إلى ديمقراطية وظيفية ومنافسة برامجية وظهور كفاءات أبنائنا الحقيقية المهدرة والمشتة في الداخل والخارج .

لم يأتِ الرئيس الحالي من رحم أي من الإيديولوجيات السياسية المتخمرة في البلد ، وقد يعترض ذلك سبيل الاعتراف بالشرعية الفكرية لكل تصوراته، بل لن ترفع الحركات الإيديولوجية عندنا قدر تلك الإجراءات كتفكير عميق لإحداث تغييرات جوهرية في البلد، بل ستبقيه في نفس المربع (إرادة عسكري لا يملك تربية سياسية)، بل ستظل تضعها، وتدعم ذلك بكل قوة، على أنها وضعية فرضت على ولد الغزواني، وقد استجاب لها أمام انعدام أي خيار آخر سوى القبول بالفشل، لكن -وللتذكير فقط- فقد ظل  الانتقام بالطرق الاستبدادية هو سبيل الأنظمة التي تعاقبت على البلد وهو متاح لغزواتي بنفس الطرق إن أراد! .

دعونا هذه المرة نتجاوز تلك الفروق والمتاريس الفكرية، لكي نصل إلى مجهود تضافري يغتنم فرصة إعادة التأسيس هذه، فعلينا أن نعترف أيضا أنه لابد من بداية وأن نخمن أن هذه الخطوات هي البداية، أي: النقطة التي يشعر فيها كل رئيس وكل موظف شعورا مختلفا أثناء تأدية مهامه بكونه  ليس كامل الحرية في التصرف بمصير الشعب ولا بممتلكاته، وأن الموظف ليس كامل التبعية للرئيس.

إنها في حقيقة الأمر مرحلة جديدة في مسار البلد، وعلى تلك الخلفية  يمكن ربط خيوط الواقع السياسي للخروج بتصور يوضح أن ظروف عمل الهيئات الدستورية تغير باتجاه وضوح فصل السلطات، فقد تم تكليف الوزير الأول بصلاحيات واسعة لإدارة العمل الحكومي، وهو اليوم وحده وأعضاء حكومته من يتحملون نتائج عملهم غير المرضي على كل حال. كما قام البرلمان على نحو فعال بتشكيل لجنة تحقيق هي الأولى من نوعها قامت بعمل استثنائي، وعلى نحو صادم كانت نتائج تقريرها تثير الوجوم، كما يتهيؤ القضاء للقيام بعمله وفق مناخ الاستقلالية الممنوح لجميع الهيئات الدستورية في أفق حرية تؤطرها المسؤوليات والصلاحيات القانونية. وعلى نحو مناقض لما ظلت تسير عليه الأمور، لم يطلب من الإعلام التطبيل لأي من تلك الخطوات ولا الترويج لها. صحيح أن ذلك لم ينعكس بشكل مباشر على الهموم الحياتية اليومية للمواطنين، لكن تحسين ظروف المواطنين سيكون في متناول أول حكومة تأتي بعد ظهور صدق وصرامة هذا المسار، وسيكون مفتاح سخط الشعب أيضا في أي مظهر من مظاهر الفساد يتحلى به أي موظف حكومي .

لسنا أمام جردة الحساب بالنسبة لسنة منصرمة  ومع ذلك لم يعد هناك أحد إلا ويتطلع لزيادة نشاطه ومستعد لإخراج أمواله إلى سوق النشاط الاقتصادي، كما لا يوجد من يخاف من الدولة نتيجة لموقفه وموقعه من الخريطة السياسية، كما لا يخاف أحد من تسليط أجهزة الدولة عليه ولا منافستها له، أي أن الوضع حاليا طبيعي بالنسبة لأصحاب المصالح المتعارضة وبالنسبة للمواطنين، بمعنى أننا على أرضية مستوية للعب، وتلك هي المنطلقات الأساسية بالنسبة  لإعادة التأسيس.