تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

حكايات من عوالم أخرى ... شبح وشط ظلام دامس

اثنين, 2016/05/16 - 12:37م
محمد يحي العتيق ـ مدير مكتب (وما) في اترارزة

من تراثنا المحكي على السنة الجدات ،أن قبيلة ،أو جماعة  تدعى (طوطوات) ذات شهرة، وصيت ،كانت تقيم مع الأجداد  في هذه المنطقة التي تعرف  اليوم بمورتانيا، وحسب علمي الذي هو ثمرة مطالعتي ،وتتبعي لتاريخ هذه البلاد الموغل في القدم ،لم أعثر على أي ذكر لهذه القبيلة ذات المواصفات الغريبة حسب حكاياتهن ، وما أسعفتني بهي ذاكرة الضعيفة   ليس سوى نزر يسير فيما يتعلق بهذه الجماعة  ،ومع ذالك فقد ظلت بعض أشكال وصور ووقائع تلك الجماعة محفورة في ذاكرتي  منذ الصغر حتى الآن ،وكنت كلما سافرت في بداية عهدي بالسفر، وتجوالي في طول البلاد ،وعرضها أتطلع بشغف كبير لرؤية احد أفرادهم ,أو بعض جماعاتهم ،بل أنني كنت متأكدا  من حدوث ذالك يوما ما ،دونما فائدة...

دفعني  ذاك  الأمل الذي يبدو بعيد المنال  الى البحث عنهم في رحلاتي القليلة  خارج البلاد دونما نتيجة..إذ يبدو أن  تأثير حكايات الجدات في تكوين عقل ووجدان الأطفال قوي كفاية ليجعلهم لا يستطيعون التمييز بين الخيال والواقع لفترة طويلة من حياتهم.. خاصة أن شذرات من تراث هذه القبيلة بقيت محفورة في الذاكر الجمعية الشعبية، وكلما حاولت تناسي قصصهم، أيقظت عبارات (اخليق طوطوات )، (إكلام طوطوات) ، (إفيم طو)، وهو مفردها ، التي ظلت تتردد باستمرار على مسامعي في جميع جهات البلاد ذالك الامل في العثور عليهم..   

وقد بلغ مني الشغف وحب التطلع إلى رؤيتهم ،أو معرفة أي شيء عنهم حدا جعلني أبحث عنهم وأتشوق إلى رؤيتهم اعتمادا على بعض المواصفات  القليلة المتبقية في ذاكرتي داخل المقابر القديمة ،وبين متحجرات المخلوقات المنقرضة ،فهم حسب ما كانت  تروى لنا الجدات، قصار القامة  كبار  الرؤوس، انفعاليون وشرسون ، كثيرة أصواتهم ومتعددة يتكلمون برطانة، وهمهمة، وبما يشبه الصفير الحاد لضيق أفواههم، وهم حسب رواية الجدات  رقيقي السيقان ، منتفخي البطون هزيلي الأبدان ، ولفرط قصرهم ،وضخامة رؤوسهم كانوا عندما يتشاجرون ويكاد  شجارهم يتحول إلى اقتتال لشدة انفعالهم، يقوم أحد حكماء الجماعة بوضع عصا صغيرة  بين المتقاتلين  فيعودون إلى الشجار ،والخصام  بدلا من  الاقتتال الذي لم يعد ممكنا بسبب ضخامة ،وعلو الحاجز الذي يحول بينهم ،ويردهم ردا عن بعضهم ، لذا بقيت حياتهم عبارة عن شجار دائم وملاسنات ،وقدح  وخصام  بأصوات عالية ، ولكنني لم أجد لهم أثرا داخل المقابر ، ولا وجدت لهم ذكرا في المسلسلات ولا في الأفلام  الوثائقية ولا في أماكن الحفريات..

عدت إلى ذاكرتي ،مرات ومرات أستجمع ذكرياتها المشتتة عنهم علها تسعفني ببعض التفاصيل الدقيقة عن تلك القصص الممتعة التي كانت تحكا لنا بالتفاصيل الدقيقة عن أولائك القوم ،وأحاول البحث عنها في الواقع ، بين الصخور وفوق الجبال وداخل الأودية وتحت الرمال ،ولكن عبثا أحاول ..

في  إحدى الليالي المظلمة ،وبينما كنت أسير بخطوات أثقل رأس صاحبها النعاس أستغيث  نجوم سمائها  الكثيفة والمتراصة ،عل نورها يبدد بعض ظلمتها الحالكة ، إذ سمعت ضجيجا قويا ترائا لي ناحيته شبح وسط ظلام  دامس يعلو تلة قريبة من  ضاحية القرية التي كنت  في زيارة لها قبل أشهر ، وكنت كلما اقتربت منه بدت لي تفاصل شكله المبهم أكثر فأكثر ، وكنت حريصا كل الحرص على تتبعها بكل عناية واهتمام فإذا  بي وجها لوجه  مع مواصفات تشبه حد التطابق  ما كنت اسمع عند الجدات عن تلك الجماعة ، رؤوس مكعبة الشكل قامات قصيرة  جماجم  كبيرة  تنوء بحملها أجسام نحيلة متراصة في مجموعات على شكل دوائر تصدر أصوات مختلفة ومتنافرة  كل مجموعة تدفع بالأخرى إلى الخلف ،وتتحفز وتحاول سحبها إلى الأمام في ما يشبه لعبة شد الحبل ،وكل ما انهمكوا في تلك العملية ازدادت تلك الأصوات قوة ،وحدة تماما كما هي حدة شقشقة ،وصفير أسراب العصافير، وعلى الرغم من فزعي الشديد ،ودهشتي فقد بقيت صامتا للحظات دون  أن أستطيع حراكا لهول المشهد – فمحسوبكم ليس بالشجاع الذي لا ترهبه المواقف المهولة - ولعل أهم ما ساعدني على التجمد في مكاني مثل الصخرة ، ومنعني من أن أفر  كما الحمير المستنفر من قسورة، تفحصي الدقيق ،وشغفي الزائد  إلى رؤية تلك الأجسام ،وتلك الصور ،والأصوات التي بدأت مشاهدتها تعود بذاكرتي شيئا فشيئا إلى مرحلة الصبا ،وصوت تلك الجدة التي كانت تسرد لي بعناية، ودقة تلك التفاصيل التي بدأت أشاهد منذ ثوان قليلة  ،فإذا هي  مطابقة  لتلك الصورة المتخيلة التي ظلت لعشرات السنين تراود مخيلتي...

دخلت   في حالة  إرباك شديد ،ودهشة تصاحبهما حيرة ،وقشعريرة وخوف ... بعد لحظات، تمالكت ،وانتبهت  ،وقلت: ترى، هل أصابني مس من جن ،دون أن أدري، ثم عدت ،وقلت في نفسي مستحيل، وغير ممكن ، فانا سليل أسرة عرف عنها علاقتها الطيبة بالجان،  فللقضية أبعاد أخرى لم أدركها بعد ، فربما تعلق الأمر بشغفي الكبير ،وتأثري بحكاية الجدة وقدرتها على توصيف وسرد حقائق جماعة (طوطوات) ...والآن، ها قد تحقق حلمي، وذا أنا أقف أمام  تشكيلاتهم المختلفة، وجها لوجه؛؛ تمالكت ،واستجمعت قواي الخائرة ثم تقدمت نحوهم  خطوات، وقلت بنبرة الواثق من نفسه ، ما بالكم تهرجون ،وتموجون ،وتصدرون أصوات  منكرة  ،ولا أحدا منكم يستمع لما يصدر عن صاحبه ، أعفاريت أنتم أم ماذا .؟ وهل لكم لغة واحدة تتكلمون ،وتتفاهمون عبر إشاراتها؟ وهل هذه هي لغة (طوطوات) التي كان الأجداد يضربون بها  المثل في الحدة وعدم الوضوح ،أم أنكم مجرد حمقاء لا الباب تعقلكم عن سوء تصرفكم  هذ.؟ فلماذا أنتم هكذا ؟ أو ليس فيكم  رشيد ،أين هم نقباؤكم؟  ألستم بشرا كما حكت  لنا الجدات ،؟ ألستم إخوة، ؟ وأبناء عمومة ،؟ألستم من لحم ودم,؟ أو ليست بينكم وشائج قربا وعلاقات نسب ،؟ فلماذا انتم هكذا ،؟ ومن المسئول فيكم،؟ وأين هي جماعة الحل والعقد فيكم؟.  

أسئلة كثيرة ،ونداء من صوت جهور واثق كان له تأثير السحر عليهم ... توقف  كل شيء فجأة وكأن قلوب القوم قد إنقبضت ،ثم تجمدت في أقل من نفس... فجأة ،تقدمت إلي إحدى المجموعات ثم خاطبتني بصوت واحد ،وموحد:، نعم نحن كما قلت تماما ،ولكن نشب بيننا خلاف منذ أمد بعيد بسبب انهيار ضخم حدث في سور مدينتنا  نتيجة انزلاق عدة لبنات  لم تكن مرصوصة  بشكل جيد داخله ،وكان ذالك في الجزء القصي من السور الذي تولت تشييده  جماعة (طوطوات السيبة) يوم كنا نبنيه  منذ النشأة الأولى لهذه المدينة، وما أن أنهت المجموعة الأولى  حديثها حتى تقدمت مجموعة أخرى ،ولكن هذه المرة بأدب ،وبضجيج اقل حتى كادت تقف بين رجلي ،وقالت بذات النبرة ،وبصوت واحد ، لقد  نطق أبناء عمومتنا هؤلاء حاقا ،وقالوا صدقا ،ولكن اللبنات التي كانت السبب في الانهيار الذي أحدث ذالك الثقب ،كان من صناعة  وتصميم جماعة (طوطوات الاستعمار) ،وعلى عواتقهم تقع مسئولية إعادة بنائه ،ومع ذالك فقد دعوناهم إلى  نقاش الموضوع ،والتروي ،والبحث عن حل للأزمة ،ولكنهم أصروا، واستكبروا استكبارا ،ولم يستمعوا لصوت العقل فلم يكن أمامنا من خيار سوى مقاتلتهم حتى يئوبوا إلى رشدهم ،والسيف بننا ،وبينهم إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا...  ما أن أنهت الجماعة الثانية حديثها حتى تقدمت ثالثة ،ورابعة بفوضوية ،وبأصوات تصم الآذان صارخين بصوت ،واحد يا هذا: أو لست من أحفاد الجدة فلانة أو لست من أخوالنا نحن معاشر (طوطوات)   الديم(...)  ، والحر(...) ، والفيس (...) ، والربي(...) وكذا ،وكذا ،وكذا ...

إنتظرت أن يتقدم حكيم القوم بعصاه فقيل لي أنه قد اغتيل منذ أمد بعيد ... عندها تيقنت أن الأمر قد بلغ حد الانفجار كما كانت تحكي لنا الجدات ... إنحنيت لآخذ عصا كانت مرمية بجانبي سبيلا إلى تفادي الاقتتال الوشيك ،فتكأكأ القوم علي فتحاملت ونهضت بصعوبة كبيرة فتطايروا  من على  هامتي مثل حبات الحصا ،فوضعتها على فسحة كانت تفصل  بين الفريقين  على هدي حكاية الجدة رحمها الله ،وتيمنا بما كانت تذكر عن هذه الجماعة ،وما إن فعلت فعلتي تلك حتى تعالى الصياح علوا كبيرا ،كاد يفجر طبلة أذني، ويصك له مسمعي - الحاسة الوحيدة التي تبقى متيقظة بنسبة كبيرة أثناء النوم - ففزعت لهول تلك الأصوات فإذا أنا ، أتقلب في فراشي بعد نوم كنت أظنه هادئا فإذا بهي مترعا بالكوابيس المزعجة .. رحم الله الجدات وأضاء لهن قبورهن فبعض حكاياهم  لا ترى إلا أثناء السبات العميق..

بقلم/ محمد يحي العتيق