إعلان

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

أزمة اسنيم.. قراءة في العمق

جمعة, 2016/04/22 - 11:33ص

توصف الأزمة بأنها لحظةٌ حرجة، لما قد يترتب عليها من تحول مصيري في حياة الأفراد أو المؤسسات أو الدول، وغالباً ما تتزامن مع عنصر المفاجأة، مما يتطلب مهارة عالية لإدارتها والتصدي لها بشكل شرعي وقانوني وليس بقرارات تفتقد لعوامل الشراكة والانتقاء والاختيار، وربما للدراسة الميدانية للحال والمآل، ويستوجب منا في البداية أن نقف على أهم أسباب هذه الأزمة، فظاهر أزمة اسنيم (أو على الأقل هذا ما يروج له) أنها في انخفاض أسعار الحديد نظرا للموقف الصيني من الشراء والاستيراد، وهذا جانب من الأزمة وربما جانبها الخارجي.

 

أما الداخلي فيكمن في:

 

أولا: عدم استقلالية اسنيم عن مركز القرار السياسي:

والتدخل المباشر في تفاصيل الإدارة وربما في التسيير، وهذا مما أدى إلى إطلاق مشاريع خارج تخصص الشركة لم تستطع اسنيم إكمالها بل وأرهقتها، وتناست الشركة دورها الأصلي في استخراج وتصدير خامات الحديد وأصبحت تنشغل تارة في الفندقة وتارة أخرى في الطرق وإنشاء الوحدات السكنية وغيرها مما يخرج عن نطاق الشركة ووظيفتها الأساسية، وهنا قد يقول قائل ما فائدة الشركة إن لم تمول هذه المشاريع؟ والجواب أن المساهمة المالية السنوية للشركة في الخزينة العامة للدولة مساهمة وطنية مهمة وكبيرة و يمكن استغلالها إيجابيا.

 

ثانيا:  الإدارة الفوضوية:

فمن شأن فوضى الإدارة أن تؤدي إلى مجموعة أخطاء مثل عدم التخطيط، عدم الرقابة، الاعتماد على التجسس بدل إثارة الدافعية، الخلط بين الأولويات، فيغلب عنصر المراقبة على عنصر الإنتاج، ويعتمد أساليب فاشلة للرقابة، ثم يشيع جو الإرهاب والخوف والتصارع داخل المؤسسة.

 
ويعتمد أسلوب تقسيم المؤسسة إلى شيع متناحرة، فيما يعرف بالشللية، فتشيع أجواء التحاسد والتدابر، وكل هذا يؤول إلى نشوء الأزمات التي تعصف بالإدارة، ويحول الإدارة إلى كيان هش أو رخو لا يستطيع الصمود أمام الأزمات.

وتتصف الإدارة العشوائية الفوضية بعدة سلبيات، كل منها سبب لأزمة، من ذلك أنها:

- لا تعترف بأهمية التخطيط.
- تغلّب المصلحة الحالية على المصلحة ذات الأثر الممتد.
- لا تحترم الـهيكل التنظيمي.
- عدم التراتبية في القرار.
- تظهر الفاسدين وتحارب القدوة الصالحة.
- تعجز عن إصدار الأوامر، وتتـبرأ من القرار بعد اتخاذه عند المساءلة أو الشعور بالخطأ، فيصبح القرار الإداري أشبه باللقيط، متخذه يتبرأ منه.
- عدم احترام معايير الترقية فبدل أن يرقى الأكفأ والأصلح يرقى الأكثر ولاء حتى ولو كان عديم الخبرة.
هجرة الأدمغة ذات الكفاءة العالية والتي اختارت أن تهاجر ولم تجد من يحتضنها في الشركة ويقدر جهدها.
- عدم إعطاء صلاحيات كافية للطاقم الإداري فالرأس لا حدود لصلاحياته والفروع الأخرى ليس عندهم ما يسير عملهم من الصلاحيات على الأقل.
- فوضوية الطلب وعشوائيته وقلة الاكتتاب، وعدم موائمة الهدف مع الإمكانيات والطاقم البشري.
- هشاشة الصيانة وعدم مراعاة الجودة في طلب.

 

ثالثا: الابتزاز:

ومن مظاهر ذلك الابتزاز عدم تقدير المعمل للعامل ويتجلى ذلك في التعامل السيئ مع العمال من حيث الالتزامات ومن حيث الفصل التعسفي ومنظومة العمل المتهالكة، هذا ناهيك عن أن مداخيل العامل أقل من مصاريفه مما يدفع للسرقة والتحايل، لأننا هنا نتعامل مع أفراد دمرت قيمهم، ولم يعودوا يعيشون للقيم النبيلة، بل يعيشون لذَاتهم، ولذَّاتهم ومصالحهم، وهم لن يترددوا في تدمير المؤسسة لحماية أنفسهم وتحقيق مصالحهم.

 
فدفع الناس ووضعهم في ظروف قاسية يدمر القيم الأخلاقية لديهم، مما يؤدي إلى تدمير القيم في المؤسسة، وهذا يشكل بيئة مناسبة للتآمر وشيوع الأهواء.

 

رابعا: تشويه المعلومات المتاحة حين لا تناسب رغبات الإدارة:

فقد تتوفر المعلومة وتكشف عن مشكلة ما وخطر قادم، ويتوفر لنا الوقت لتخفيف آثار الخطر، إلا أننا نفوت الفرصـة لعدم رغبتنا بتصـديق المعلومة، كما حدث مع الإضراب الأخير، وطريقة التعامل مع معطياته وما فرض من إكراهات.

 

خامسا: عدم التفويض: 

عدم التفويض لاتخاذ القرار يعني أن تناط جميع القرارات بشخص واحد.. ومهما تكن قدرات الفرد الإبداعية فإن انشغاله بالتفاصيل اليومية سيكون على حساب التخطيط والتطوير والقيام بدراسات لمعرفة المتغيرات في ميدان العمل ومواجهة الخطر قبل وقوعه، ولهذا لا بد من التفويض ليتمكن الإداري من الاضطلاع بأعمال إدارية أكبر.. وهذا التفويض لا بد أن يراعي الكفاءة وأن يكون مع رقابة.

 

وغياب الرقابة مدخل للغش والخيانة والتسيب وتراكم الأخطاء، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، ولذا لا بد من وجود نظام للرقابة.

 

سادسا: عدم التحفيز والمكافأة:

فشعور العامل أن عمله سيكون محل تقدير يدفعه للإنجاز، فإذا كانت الإدارة تساوي بين المنتج والمهمل، في عدم وجود مكافآت فهذا يدعو لإهمال مستمر وهنا لا بد من معرفة أننا كلما تصالحنا وكسبنا ود العمالة كلما كان الإنتاج أكبر والشعور بالمسؤولية أعظم وهنا تتجلى مظاهر عدم التحفيز فيما يلي:

1 - رداءة الخدمات الصحية والاجتماعية المقدمة للعمال: ومثال ذالك أننا في المستوصف المجمعي لسنيم توفر دكتورة واحدة للأسنان لأكثر من 4000 عامل، وجراح وحيد، وطاقم قليل العدد كثير المشاكل، ضف إلى ذلك عدم توفر الأدوية والأجهزة اللازمة والحجز.

2 - رداءة الرواتب مما يشغل العامل بمعيشته اليومية لا بتطوير وظيفته.
3 - عدم المساواة بين العمال في ساعات العمل، فتجد الميكانيكي مثلا يعمل في نفس الظروف في المصنع بل وأخطر منها وإصلاح الجرافة التي تشحن أكثر من 20 شاحنة والتي يرتبط بها شحن القطار، هذا العامل الذي سيصلحها تحسب له 8 ساعات وإنتاج هذا العدد الكبير من الشاحنات والجرافات مرتبط به وأصحابها بالمناسبة تحسب لهم 9 ساعات، ذاك دوام مثال من كثير أمثلة.
4 - أن اسنيم تبيع بالعملة الصعبة وتدفع رواتب العمال بالأوقية وكما أسلفنا راتب زهيد لا يغطي حاجيات الشخص.

 

سابعا: انعدام الثقة بين المعمل والعامل:

يتجلى ذلك في الفروق البينة بين مناديب العمال والإدارة وعدم احترام هذه الأخيرة لأغلب الاتفاقيات الموقع مع المناديب، والعمالة إذا لم تحترم في خيارها ويتعامل مع من انتدبت لحقوقها فإنك لا تقيم لها وزنا كأقل تقدير.

 

تلكم سادتي أهم أسباب هذه الأزمة وإذا أراد المدير الجديد أن يخرج اسنيم من هذه الأزمة ما عليه إلا أن يتخذ المعالجة الصحيحة والتي تبدأ بالاعتراف بالأزمة وقوتها الضاغطة والنية الجادة للتغلب عليها وعدم إلقاء اللوم على الآخرين ممن هم شركاء في المؤسسة، والشروع المباشر في الخطط اللازمة بأسلوب علمي ينتج وضعا أفضل وربما منحة بعد المحنة.

 

وأن يعرف أنه يمتلك طاقة بشرية فريدة من نوعها قابلة للتطوير وللتعاون ومنتجة وقت الإنتاج، باذلة وقت البذل لكن ميزتها أنها في أغلبها لا تسكت عن ظلم، نعم تجرعت مرارته لكن وازع الوطنية فيها أقوى ومن الاستسلام والخنوع والاعتراف بظلم بين وفساد مهلك.

 

ومن الأمور المستعجلة والتي يجب تنفيذها كخطط للإنقاذ نقترح ما يلي:

- تفعيل مبدأ التشاور والتعاون وتبني أسلوب فريق العمل: وذلك بحيث تعتمد الإدارة على رفع معنويات العاملين وقت الأزمات، وإشعال روح الإبداع بينهم لتقديم حلول وآراء غير مسبوقة.
- فريق عمل مؤقت، يدعى له الخبراء في شأن الأزمة؛ ويفترض وجود قائمة تضم خبراء تلجأ إليهم المؤسسة للتشاور من أجل حل وتكون مهمة الفريق تشخيص الأزمة بشكل فوري وسريع، وإعداد خطة للتعامل معها، ومتابعة التنفيذ.. وتنتهي مهمة الفريق بانتهاء الأزمة.
ـ استقلالية اسنيم عن القرار والتجاذب السياسي وتجنيب أموالها الاستخدام العشوائي ووضع احتياطي مالي ورفع مستوى العلاقات مع المستثمرين ورد واحتضان أصحاب الخبرة والكفاءة ووضع معايير للترقية.
- تشجيع العمال على الإنتاج والتعاون والتشاور معهم والرفع من المستوى المادي والاجتماعي والصحي فهم العمود الفقري للمؤسسة.
- القضاء على المحسوبية والتملق ومظاهر التجسس والاستثمار الإيجابي في الطاقة البشرية.
 - تفعيل الإدارية وخلق جو أخوي متعاون والسعي لإيجاد ذلك الجو وطي صفحة الماضي بما فيه.

 

أخيرا، يجب لزوما أن يتحمل الجميع المسؤولية الدينية والأخلاقية وأن يعرف أن أي تقصير أو تجاهل أو خيانة جريمة في حق الذات والوطن والتاريخ والذي يكتب في صفحاته كل حسن، فيبقي ذكر صاحبه على شفاه الأجيال فيدخل قلوبهم ويلتمسون له بركة الدعاء حتى بعد الممات والعكس صحيح.