با عثمان.. من تنسيق عمل حزب "الإنصاف" في اترارزة إلى وزارة الدفاع

لم يكن تعيين با عثمان وزيرا للدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء، مساء السبت مجرد تغيير في التشكيلة الحكومية الموريتانية؛ بل مثّل انتقالا لافتا لشخصية ارتبط حضورها خلال السنوات الأخيرة بالإدارة العمومية وتنسيق العمل الحزبي، إلى واحدة من أكثر الحقائب حساسية في الدولة.
فالرجل الذي تولى الأمانة الدائمة المكلفة بتنسيق العمل الحزبي في ولاية اترارزة، وأشرف قبل أيام على جولة شملت مقاطعاتها، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية وطنية تختلف طبيعتها وأولوياتها عن المهام التي اعتادها، في وزارة تتصل بالمؤسسة العسكرية وبملفات الدفاع والأمن والاستقرار.
من الإدارة إلى الوزارة السيادية
يأتي تعيين با عثمان في قطاع الدفاع بعد مسار إداري شمل تسيير شركة "معادن موريتانيا"، التي تولى إدارتها العامة منذ يوليو 2023، كما سبق له أن شغل منصب رئيس المجلس الأعلى للتهذيب، وقبل ذلك تولى مسؤوليات حكومية، من بينها وزارة التهذيب الوطني خلال فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
ويمنح هذا المسار با عثمان خبرة في التعامل مع المؤسسات العمومية، لكنه يضعه في الوقت نفسه أمام تحدٍّ مختلف؛ فإدارة وزارة الدفاع لا تقتصر على التسيير الإداري، بل تتطلب الإلمام بخصوصيات المؤسسة العسكرية، وضمان التنسيق بين المستويات القيادية، ومتابعة الملفات المرتبطة بالجاهزية والموارد البشرية والتجهيزات، في إطار السياسة الدفاعية للدولة.
ومن هنا، فإن أهمية التعيين لا تكمن فقط في انتقال الرجل إلى منصب وزاري، وإنما في طبيعة القطاع الذي أُسندت إليه إدارته، وما يفرضه من متطلبات مهنية ومؤسسية خاصة.
إرث سياسي يرافق التعيين
ارتبط اسم با عثمان في مرحلة سابقة بمحيط السياسي النافذ محسن ولد الحاج، الذي كان له حضور مؤثر في المشهد السياسي بولاية اترارزة، كما برز با عثمان خلال فترة توليه وزارة التهذيب في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
ويستحضر بعض المتابعين هذه المرحلة عند قراءة تعيينه الجديد، بالنظر إلى طبيعة العلاقات السياسية التي طبعت إدارة الشأن العام آنذاك.
وقبل تعيينه وزيرا للدفاع، كان با عثمان يتولى تنسيق العمل الحزبي في اترارزة، وقد أكمل خلال الأيام الماضية جولة شملت مختلف مقاطعات الولاية، في إطار المهام المرتبطة بتنسيق مكونات الحزب الحاكم.
وأظهرت هذه الجولة، وفق القراءة السياسية للمعطيات المتداولة بشأنها، صعوبة الحفاظ على موقع وسطي بين مختلف مكونات الطيف الداعم للنظام، في ظل ما تثيره التوازنات المحلية من تنافس وحساسيات وخلافات بين الفاعلين السياسيين.
وتكشف هذه التجربة عن أحد التحديات التي تواجه من يتولى تنسيق العمل الحزبي في الولايات: فالمهمة لا تقتصر على نقل التوجيهات المركزية، بل تشمل أيضا إدارة التباينات بين الفاعلين، ومحاولة التوفيق بين المصالح المحلية ومتطلبات الانسجام داخل الأغلبية.
لكن الانتقال من تنسيق العمل الحزبي إلى وزارة الدفاع ينقل با عثمان إلى مساحة مختلفة من المسؤولية، حيث تتقدم الاعتبارات المهنية والمؤسسية على حسابات التوازنات السياسية المحلية.
ويمثل تعيين با عثمان وزيرا للدفاع أول تول له لحقيبة وزارية خلال عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، رغم استمراره في تولي مسؤوليات إدارية منذ وصول الأخير إلى السلطة عام 2019.
ويضعه هذا التعيين أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرته على إدارة قطاع سيادي ذي خصوصية عالية، وتقديم نموذج في التسيير يستند إلى الكفاءة والانضباط واحترام مقتضيات المؤسسة.
وفي المحصلة، فإن تعيين با عثمان يثير أسئلة تتجاوز خلفيته السياسية والإدارية إلى طبيعة المعايير التي تحكم اختيار المسؤولين للمناصب السيادية، ومدى قدرة التجارب السابقة على توفير ما تتطلبه هذه المناصب من خبرة متخصصة واستقلالية في القرار.
وستكون ممارسته الفعلية لمهامه، والقرارات التي سيتخذها، وطريقة تعامله مع ملفات القطاع، هي العناصر الأهم في الحكم على هذه التجربة الجديدة.
