خطاب أطار.. من سؤال التأسيس إلى سؤال المستقبل/ ساليماتا علي المولود

لم يكن خطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في مدينة أطار، خلال زيارته الحالية لولاية آدرار، مجرد استعراض لحصيلة حكومية أو عرض لمشاريع تنموية مبرمجة؛ فقد حمل الخطاب سؤالا أوسع يتعلق بمستقبل الدولة الموريتانية نفسها: أي موريتانيا نريد؟
وفي مدينة ارتبطت في الذاكرة السياسية الموريتانية بمرحلة التأسيس، استعاد الرئيس سؤالا كان قد طرحه الرئيس المؤسس المختار ولد داداه قبل استقلال البلاد بثلاث سنوات، داعيا إلى "تحيين الإجابة" عنه بما ينسجم مع التحولات التي عرفتها موريتانيا والمجتمع الموريتاني.
وقال: "هل تكفي المنظومة المؤسسية التي أنشئت في الماضي، والتي لا نزال نعمل بها، للاستجابة للحاجات الراهنة للدولة والمجتمع؟"، متسائلا في الوقت ذاته عما ينبغي تطويره حتى تظل الدولة قادرة على تعزيز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، وترسيخ دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.
ويضع هذا الطرح الخطاب في مستوى يتجاوز النقاش حول مشروع أو برنامج حكومي بعينه، ليفتح نقاشا حول قدرة مؤسسات الدولة على مواكبة التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد.
فموريتانيا، كما أشار فخامة الرئيس، لم تعد هي موريتانيا التي كانت عشية الاستقلال؛ فقد تضاعف عدد سكانها، وأصبح الشباب يمثل غالبية المجتمع، كما ارتفع مستوى التعليم والتكوين والانفتاح، وشهدت البلاد تحولا حضريا واسعا، فيما تطورت مؤسسات الدولة واتسعت حاجات المجتمع وارتفعت سقوف تطلعاته.
ومن هذه الزاوية، يطرح خطاب أطار فكرة أساسية: أن بناء الدولة ليس مشروعا ينتهي عند مرحلة تاريخية محددة، وإنما مسار متجدد تفرض كل مرحلة فيه إعادة النظر في أدواتها ومؤسساتها وأولوياتها.
وقد حرص الرئيس، في استحضاره لتاريخ البلاد، على التأكيد أن موريتانيا مرت بهزات وصعوبات متعددة، لكنها تمكنت من تجاوزها بفضل جهد تراكمي شاركت فيه أجيال متعاقبة من قادتها ومواطنيها. وبذلك لم يقدم مرحلة التأسيس باعتبارها قطيعة مع الحاضر، وإنما باعتبارها رصيدا ينبغي البناء عليه وتطويره.
من بناء المؤسسات إلى تمكين المواطن
الجانب الآخر اللافت في خطاب أطار تمثل في الانتقال من السؤال المؤسسي الكبير إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
فصاحب الفخامة تحدث عن النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وفك العزلة، وتوفير المياه، وتحسين الطرق، وخلق أنشطة اقتصادية في الداخل، باعتبارها عناصر مترابطة في مشروع أوسع يهدف إلى تغيير واقع المدن والمناطق الداخلية.
وفي حديثه أمام أطر ووجهاء وفاعلي مقاطعة وادان، أكد أن التحدي لا يتوقف عند إنشاء البنية التحتية، وإنما يبدأ بعدها سؤال أكثر أهمية: كيف تتحول هذه الاستثمارات إلى نشاط اقتصادي يوفر فرص العمل ويمنح الشباب أسبابا للبقاء في مناطقهم؟
وهنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الخطاب: التنمية لا تُقاس بالطريق أو الشبكة أو المنشأة وحدها، وإنما بقدرتها على خلق اقتصاد محلي قابل للحياة.
فرئيس الجمهورية دعا القطاع الخاص إلى تكثيف الاستثمار في المدن الداخلية، خصوصا في السياحة والأنشطة الاقتصادية، بهدف خلق فرص العمل وتثبيت السكان، معتبرا أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على بناء نسيج اقتصادي في هذه المدن.
كسر مركزية نواكشوط
ومن أكثر الأفكار ارتباطا بحياة المواطنين حديث الرئيس عن ضرورة كسر ما وصفه بمسلمة اضطرار الموريتاني إلى الانتقال إلى نواكشوط من أجل العلاج أو الدراسة أو العمل.
هذه الفكرة تحمل في جوهرها تصورا لإعادة توزيع وظائف الدولة والتنمية جغرافيا، بحيث لا تكون العاصمة الوجهة الوحيدة للحصول على الخدمات أو البحث عن فرص اقتصادية.
وفي هذا السياق، تحدث الرئيس عن برنامج لإعادة تأهيل شبكة الطرق، واستكمال ربط عواصم المقاطعات والمراكز الإدارية، وفك العزلة عن مناطق الإنتاج وتعزيز الربط مع دول الجوار، كما تعهد ببرمجة أشغال طريق وادان ضمن ميزانية الدولة لسنة 2027، والعمل على إيجاد حل لمشكلة المياه في المدينة التاريخية.
ولا تنفصل هذه الوعود عن تصور أوسع عبّر عنه الرئيس خلال الزيارة، يقوم على توفير الخدمات الأساسية في مناطق السكان الأصلية، ثم الانتقال إلى خلق الأنشطة الاقتصادية القادرة على جعل هذه المناطق فضاءات للإنتاج والعمل، لا مجرد مناطق تحتاج إلى الخدمات.
التنمية من "الخدمة" إلى "الإنتاج"
ربما تكون هذه النقلة من أهم الأفكار التي تضمنها الخطاب.
فإذا كانت الدولة مطالبة أولا بتوفير الماء والكهرباء والتعليم والصحة والطرق، فإن التحدي التالي، وفق الرؤية التي عرضها الرئيس، هو تحويل البنية التحتية إلى قاعدة لإنتاج الثروة وخلق فرص العمل.
وقد تحدث صاحب الفخامةعن الفرص الاقتصادية المتوفرة في الداخل، خصوصا في الزراعة والتنمية الحيوانية وغيرها من القطاعات، داعيا إلى تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات منتجة.
بهذا المعنى، لا تصبح تنمية الداخل مجرد عملية لتقليص الفوارق في الخدمات، وإنما محاولة لبناء أقطاب اقتصادية جديدة قادرة على استقطاب السكان والأنشطة والاستثمارات.
"الأصعب مرّ".. والتحدي المقبل
أبدى فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني تفاؤله بأن "الأصعب" بالنسبة للموريتانيين قد مضى، وأن التنمية بدأت تتحرك في مسار يصفه بالصحيح، مشيرا إلى أن سياسات تعبئة الموارد وعقلنة تسييرها ومكافحة الفساد بدأت تؤتي نتائجها، وأن قدرة الدولة على تمويل جزء أكبر من مشاريعها التنموية تحسنت.
لكن خطاب أطار لم يقدم التنمية باعتبارها مهمة منجزة، بل وضع أمامها تحديات جديدة، أبرزها ضعف الأقطاب الاقتصادية في الداخل، وصعوبة فك العزلة بالنظر إلى اتساع البلاد، وتشتت التجمعات السكانية، والحاجة إلى استثمارات كبيرة لتوفير الخدمات الأساسية.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي الذي يضعه الخطاب أمام المرحلة المقبلة: كيف تتحول الموارد والاستثمارات والمشاريع إلى اقتصاد محلي مستدام؟
سؤال يتجاوز ولاية آدرار
قد تكون أهمية خطاب أطار في أنه لم يبق محصورا في مطالب ولاية آدرار، رغم أن الولاية كانت مسرحه وموضوع جانب كبير من مضمونه.
فالأسئلة التي طرحها فخامة الرئيس حول المؤسسات، والوحدة الوطنية، والمواطنة، والخدمات، والهجرة الداخلية، والتنمية الاقتصادية، ودور القطاع الخاص، يمكن أن تمتد إلى مختلف مناطق البلاد.
ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة للربط بين مستويين: إعادة التفكير في الدولة من جهة، وإعادة التفكير في التنمية من جهة أخرى.
الأول يسأل: هل ما زالت مؤسساتنا وأدواتنا قادرة على الاستجابة لمجتمع تغير كثيرا منذ التأسيس؟
والثاني يسأل: كيف ننتقل من توفير الخدمات إلى بناء اقتصادات محلية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل؟
وفي نهاية المطاف، يعود خطاب أطار إلى السؤال الذي استدعاه الرئيس من ذاكرة التأسيس: "موريتانيا التي نريد".
لكن الإجابة هذه المرة لا تتعلق بمجرد تأسيس دولة مستقلة؛ فالدولة موجودة، ومؤسساتها قائمة، ومجتمعها تغير، وطموحات أجيالها اتسعت.
لذلك فإن "تحيين الإجابة" يعني، وفق الأفكار التي طرحها فخامة الرئيس، الانتقال من سؤال كيف نبني الدولة؟ إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف نجعل الدولة القائمة أكثر قدرة على الاستجابة لمواطنيها، وكيف نحول إمكانات البلاد إلى تنمية وفرص، وكيف نجعل كل مدينة ومنطقة قادرة على أن تكون جزءا من المستقبل لا مجرد متلق للخدمات؟
وفي هذا الإطار، تكتسب عبارة رئيس الجمهورية بأن الإجابة عن سؤال "موريتانيا التي نريد" مسؤولية متجددة "نجتهد في الإجابة عليها جيلا بعد جيل" دلالتها الأساسية: أن مشروع الدولة لا ينتهي، وأن كل جيل مطالب بإضافة ما يلزم إلى ما ورثه، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وفتح الطريق أمام الأجيال التي ستأتي بعده.
