المسؤول العمومي لا يمثل شريحته

أثارت التعيينات الأخيرة في بعض المناصب العمومية نقاشًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي وفي الفضاء العام. وبينما استقبلها البعض بكثير من الترحيب والاحتفاء، باعتبارها تعكس حضور فئات اجتماعية ظلت تطالب بمزيد من التمثيل داخل مؤسسات الدولة، قابلتها أصوات أخرى بالتحفظ والانتقاد، معتبرة أن تعيين شخصيات ارتبطت في السابق بخطاب شرائحي قد يُفهم باعتباره رسالة تشجيع لهذا النوع من الخطاب أو تساهلًا معه. وبين هذين الموقفين المتقابلين يبرز سؤال مهم: ما حدود العلاقة بين الانتماء الاجتماعي والمسؤولية العمومية؟
لا جدال في أن التعيين في الوظائف العليا يدخل ضمن الصلاحيات التقديرية للسلطة المختصة، ومن حقها أن تختار من تراه مؤهلًا لتحمل المسؤولية وفق ما تقتضيه المصلحة العامة. كما أن من حق مختلف مكونات المجتمع أن تعبر عن ارتياحها أو عدم ارتياحها تجاه تلك الاختيارات. غير أن ما ينبغي التذكير به هو أن المنصب العمومي ليس امتدادًا للنشاط الاجتماعي أو الفكري الذي كان يمارسه الشخص قبل تعيينه، بل يمثل انتقالًا إلى وضع قانوني مختلف تحكمه قواعد وواجبات محددة.
فالمسؤول العمومي، بمجرد تعيينه، لا يكون ممثلًا لشريحته أو جهته أو جماعته الاجتماعية، وإنما يصبح ممثلًا للمؤسسة التي يعمل فيها وخادمًا للمصلحة العامة. ومن هنا تبرز أهمية واجب التحفظ الوظيفي الذي يشكل أحد أهم الضمانات الكفيلة بالحفاظ على حياد الإدارة وثقة المواطنين فيها.
ويقتضي هذا الواجب أن يبتعد المسؤول عن كل ما من شأنه أن يؤثر في حياده أو أن يوحي بأنه يتعامل مع المواطنين بمنطق الانتماءات الخاصة. فالإدارة لا يمكن أن تؤدي دورها على الوجه المطلوب إلا إذا شعر الجميع بأنهم متساوون أمامها، وأن المسؤولين فيها يعملون وفق القانون لا وفق اعتبارات الهوية والانتماء.
ولذلك فإن الاحتفاء بتعيين أي شخص بسبب انتمائه الاجتماعي لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة ضمنية بأن يكون ممثلًا لتلك الفئة داخل الإدارة، كما أن التحفظ على تعيينه بسبب مواقفه السابقة لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على أدائه المستقبلي. فالمعيار الحقيقي يظل في مدى احترامه لمقتضيات الوظيفة العمومية والتزامه بالحياد والتجرد بعد توليه المسؤولية.
إن الدولة الحديثة لا تبنى على أساس تمثيل الشرائح داخل المناصب بقدر ما تبنى على أساس المواطنة والكفاءة وسيادة القانون. وإذا كان من المشروع أن يختلف الناس حول التعيينات، فإن الأهم هو أن يظل الجميع متفقين على مبدأ أساسي مفاده أن المسؤول العمومي، أيًا كان أصله أو انتماؤه، يصبح بعد تعيينه مسؤولًا عن خدمة جميع المواطنين دون استثناء.
فنجاح أي تعيين لا يقاس بحجم التصفيق الذي يرافقه ولا بمستوى الاعتراض عليه، وإنما بقدرة صاحبه على الارتقاء فوق الانتماءات الضيقة وتجسيد قيم الدولة ومؤسساتها في ممارسته اليومية للسلطة.
سيد المختار كواد
