مع ربَّان سفينة العبور الهادئ/ الدكتور محمد سالم ولد الصوفي

الإصدار الجديد لمعالي الاستاذ سيدي محمد ولد بوبكر

عندما يمتشق رجل دولة سابق قلمه ليدون فصلا من مسيرته، فإنه لا يكتب عن سيرة ذاتية فحسب، بل يودع بين دفتي كتاب خلاصة تجربة وطنية خاضها وسط عواصف الأحداث وتقلبات الظروف.

 

ومن هذا المنطلق، تأتي قيمة كتاب "زمن العبور الهادئ " الذي صدر أخيراً للوزير الأول السابق والشخصية الوطنية البارزة سيدي محمد ولد بوبكر. الذي وثق لنا جانباً مهماً من تاريخ بلادنا حيث قدم للقارئ والباحث ،عن فترة الانتقال الديمقراطي 2005 – 2007، معلومات موثقة، وتحليلات مدعَّمة بالأرقام وأفكار ناضجة، وتجارب عملية تصلح لأن تكون نبراساً يستضاء به في إدارة شؤون الدولة، في أحلك الظروف وأدق المنعطفات، خاصة في عالم تتداخل فيه المعلومات وتشوه فيه الحقائق، وهو ما يجعل من توثيق صاحب القرار مصدراً لا غنى عنه لبناء الفهم السليم والرؤية المنطقية لتسلسل حداث.

 

إن قيمة هذا الفصل من المسار المهني للمؤلِف لا تكمن في كونه يستعيد وقائع مضت، بل في ما يقدمه للقارئ من فهم أعمق لآليات صناعة القرار، وتدبير المرفق العمومي، وإدارة التوازنات السياسية والاقتصادية في مراحل دقيقة من تاريخ الدولة، فالكتاب لا يقدّم مجرد شهادات شخصية، وإنما يضع بين يدي المهتم بالشأن العام خلاصة تجربة رجل تولى منصب الوزير الأول مرتين في مرحلتين حرجتين من عمر الدولة الموريتانية، مع ما يقتضيه ذلك من تعامل مع تحولات سياسية متباينة، وإكراهات التسيير الاقتصادي، وتعقيدات العلاقات بين مؤسسات الدولة والفاعلين الوطنيين والدوليين.

 

ومن يقرأ هذا الكتاب بتأن سيجد نفسه أمام مادة ثرية تسلط الضوء على الكثير من كواليس تسيير الشؤون العمومية، ومنطق تدبير الملفات الاستراتيجية، وآليات بناء التوافقات، والمحافظة على استمرارية الدولة في سياقات تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل الكتاب أقرب إلى شهادة من داخل دوائر صنع القرار منه إلى مجرد حديث عن مسيرة مسؤول شغل مناصب عليا.

 

من ناحية أخرى، فإن قيمة هذا الكتاب تبرز من راهنيته، فهو أكثر من مجرد استعادة لمحطات مهنية أو تسجيل لبعض الوقائع والقرارات، بل هو درس عميق في معنى المسؤولية العمومية المقترنة بالتبصر في كيفية إدارة الدولة بعقل يدرك تعقيد التوازنات، ويعرف أن نجاح السياسات لا يتجسد بالشعارات البراقة بقدر ما يتطلَّب امتلاك القدرة على قراءة الواقع، ومعرفة أن السياسة هي فن الممكن.

 

ولعل ما يمنح هذا الكتاب فرادته أن قارئه لن يعثر بين صفحاته على خطاب تبريري أو سرد انتقائي للأحداث، بل سيجد تجربة ناضجة كتبت بوعي رجل خبر صناعة القرار، وعايش تقلبات الشأن العام، وأدرك أن بقاء الدول واستقرارها لا تصنعه الانفعالات العابرة وإنما يتوصل إليه بالحكمة والبصيرة المتأنية والقدرة على العبور الهادئ وسط أكثر المنعطفات اضطرابًا.

 

 

28 May 2026