المدينة التي تستعصي على الدولة.. لماذا تمردت كيدال 5 مرات في 60 عاما؟

رفع مقاتلو "جبهة تحرير أزواد" راياتهم مجددا فوق شوارع كيدال، بعد ساعات من الهجوم المنسق الذي شُن على مناطق عدة في مالي. فخلال يوم واحد، طوت المدينة الواقعة في أقصى الشمال عقدا ونصف عقد من تاريخها العاصف، من معقل للتمرد الطوارقي، إلى مدينة "مستعادة" تحت راية باماكو لعامين ونصف، إلى تمرد جديد في فجر السبت الأخير.
لكنْ ليست هذه المرة الأولى التي تُسلَّم فيها كيدال أو تستعاد، بل هي المرة الخامسة في 66 عاما. وفي هذا التكرار يكمن لغز المدينة، التي تحولت إلى مرآة للدولة المالية ولحدودها معا.
1963: "الفلاقة" والعهد المؤسس للقطيعة
بعد 3 أعوام فقط من إعلان مالي استقلالها عن فرنسا، انفجرت في كيدال أول ثورة طوارقية في تاريخ البلاد، إذ قاد زيد آغ أتاهر تمردا عُرف بـ"الفلاقة" يوم 14 مايو/أيار 1963 (وهو مصطلح كان يستخدمه الجيش الفرنسي لتسمية المقاومين أثناء احتلاله الجزائر وتونس).
وكانت المشكلات تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ يصف باحثون -في ورقة بحثية نُشرت على منصة "ساج جورنالز"- انتفاضة 1963 بأنها انفجار غضب ذي خلفية عرقية من قرار استعماري وضع الطوارق في الشمال "تحت حكم السود" في الجنوب، وهو الجرح المؤسس الذي تغذت منه كل الانتفاضات اللاحقة. وقد سحقت الحكومة في باماكو التمرد بعنف، فتأسست في وجدان كيدال "ذاكرة جرح" لا تزال حاضرة حتى اليوم.

1990: عودة جيل الأزمة الكبرى
بعد موجات الجفاف والهجرة، عاد الطوارق من مهاجرهم محمَّلين بالسلاح والوعي السياسي. وفي يونيو/حزيران 1990، هاجمت "الحركة الشعبية لأزواد" بلدات شمالية بقيادة إياد آغ غالي. ورغم توقيع اتفاق تمنراست (مدينة جنوبي الجزائر) عام 1991، انقسمت الحركة إلى جبهات متنافسة، لتكرس الانقسام القبلي بين قبيلة إفوغاس المفاوضة وقبيلة إمغاد الرافضة للتسويات.
2006: انشقاق الكوماندو وميلاد المتمردين الجدد
يوم 23 مايو/أيار 2006، فاجأت كيدال الجميع بانتفاضة "نوعية"، فقد هاجم مقاتلو "التحالف الديمقراطي من أجل التغيير" بقيادة إبراهيم آغ بهانغا الثكنات العسكرية في كيدال وميناكا، فقتلوا جنديين. وكانت السمة الفارقة أن ضابطين من الجيش انشقا عنه مع جنودهما، وانسحبا إلى جبل أدرار إفوغاس الذي كان الحصن الدائم للمتمردين، والذي استقبل من جديد مقاتليه ومنهم إياد آغ غالي.
وفي يوليو/تموز 2006، وُقع اتفاق الجزائر لكنْ بهانغا رفضه لأنه ينص على التخلي عن مطلب الحكم الذاتي. وأصبحت كيدال منذ ذلك الحين موقعا لمشهد متكرر؛ اتفاق سلام ينهار قبل أن يجف حبره.
2012: ذروة الانتفاضة وانهيار الدولة
مع سقوط العقيد معمر القذافي، عاد المقاتلون الطوارق الذين كانوا في ليبيا بأسلحة ثقيلة، فاستولت "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، بالتحالف مع حركة أنصار الدين، على كيدال في مارس/آذار 2012، ثم تبعتها غاو وتمبكتو.
وإثر ذلك، أعلنت "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" استقلال "دولة أزواد" شمالي مالي، لكنْ سرعان ما انهار التحالف بين الجماعتين، واضطرتا إلى التخلي عن المدن الكبرى بالشمال بعد الحملة العسكرية التي شنتها فرنسا وحلفاؤها بدءا من يناير/كانون الثاني 2013، فحُررت المدينة رمزيا، لكنها بقيت مغلقة فعليا في وجه الجيش المالي حتى اتفاق الجزائر عام 2015، عندما تحولت كيدال إلى منطقة سيطرة فعلية للمجموعات المتمردة.
2023: كيدال تحت حكم باماكو
في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، شن المجلس العسكري المالي هجوما واسعا بمشاركة مرتزقة فاغنر، وانتهت المعركة برفع العلم المالي فوق حصن كيدال وتعيين الجنرال الحاج آغ غامو -الطوارقي من قبيلة إمغاد- حاكما عسكريا. وكانت الرسالة واضحة: باماكو ستدير المدينة بطوارقها هي، لا بطوارقها هم.
2026: عودة الدائرة
استمر الحكم الجديد عامين ونصف عام، وانتهى بعملية السبت 25 أبريل/نيسان المنسقة، إذ أعلن المتمردون الأزواديون يوم الأحد اتفاقا سمح للفيلق الأفريقي (فاغنر سابقا) التابع للقوات الروسية بالانسحاب من كيدال، لتُترك المدينة "بالكامل" تحت سيطرتهم.
وفي اليوم نفسه، أكدت الحكومة المالية مقتل وزير دفاعها ساديو كامارا في قاعدة كاتي قرب العاصمة باماكو، لتكتمل صورة المدينة التي لا تخضع لدولة، وتعيد كتابة شرعية حكامها للمرة الخامسة منذ الاستقلال.

كيدال "المدينة المتمردة"
- جغرافيا: تبعد كيدال عن باماكو نحو 1500 كيلومتر، وتقع في قلب سلسلة جبال إفوغاس التي يصعب تطويقها عسكريا.
- ديموغرافيا: هي طوارقية بأغلبية ساحقة، ولم تنجح باماكو في إدماجها، فكل اتفاق سلام (1991، 2006، 2015) منحها وضعا استثنائيا ثم انهار حين حاولت الدولة فرض سيادتها.
- سوسيولوجيا: تركيبتها القبلية معقدة بين إفوغاس وإمغاد وإدنان، وكل نظام حاول اللعب على هذه الانقسامات ارتدت عليه.
وتفتح عودة كيدال إلى التمرد سؤالا يتجاوز جغرافيا الشمال المالي إلى عمق فكرة الدولة في الساحل، فإن كانت مدينة واحدة قادرة -5 مرات في 60 عاما- على إعادة كتابة شرعية النظام في باماكو، فهل المشكلة في كيدال التي ترفض هيمنة الدولة أم في دولة لم تستطع منذ عام 1960 استيعاب كيدال؟
