بوبكر ولد مسعود.. ابن النهر 80 سنة بين أشواك الاسترقاق وضفاف الحرية

بعد 81 سنة ميلادية تقريبا، انطفأت شمعة المناضل الأسمر ذي القسمات الحادة، وبين مايو 1945 ومارس 2026، ارتسمت كأمواج النهر السنغالي رحلة الرجل الذي آمن منذ نعومة أظافره، بأن نجدة العبيد هي واجبه الأول.
تنقل الرجل بين ضفاف الفكر، مراهقا رافضا لتواضعات المجتمع الطبقية، ثم شابا مناضلا يساريا لائكيا شديد الرفض، ثم شيخا مؤمنا كثير التحنث، غير أن نجدة العبيد ورفض الاسترقاق ظل في كل ذلك نهر حياته الذي لا ينضب.
وذات حجة له، رفع الرجل يديه إلى الله من أمام الكعبة متضرعا: "اللهم إذا كان هذا الهم الذي أحمله وقد كرهني الناس من أجله حقا ينبغي أن أواصل فيه فثبتني عليه، وإذا كان باصلا فأرجوك أن تصرفه عني".
وبدأ أن قبضة الرجل على خطابه الداعي إلى الحرية، قد ترسخت أكثر ولم ترتخ مثل قبضته الضعيفة على عكاز كان يستند عليه في آخر أيامه، بعد أن خذلته الصحة، وطوحت به أودية الحياة، في عطش دائم إلى الحرية، وشوق لا حد له إلى وطن لا استرقاق فيه.
ابن الضفة.. البزكي الذي آمن بالحرية
لأبوين ينتميان إلى مجتمع الأرقاء، ولد أبو بكر ولد مسعود، وفتح عينيه أول ما فتحهما على ضفاف نهر "ابجك" ضمن مجتمع أولاد بنيوك، ذي التاريخ التروزي العريق باعتباره أحد أهم ركائز الخالفة الكحلة.
ربما لم يدرك أو لم يهتم بأن ذلك المجال الممتد من ارشوش أولاد بنيوك إلى بوحجرة وما بينهما من آبار ومعاطن، كانت منازل نجوم الأدب الحساني.
كان رموز مجتمع أولاد بنيوك قد صنعوا تاريخهم في ذلك الفضاء من خلال البذل والعطاء والفروسية، وكذا الأسلوب اللغوي الطريف والحاد والصريح، وكانوا مأوى الغريب ومنزل العابر، حيث كانت أرضهم المعطاء تدر عليهم ثراء يحتاجه المجتمع كله على نحو ما يسمع في إحدى مدائح اشوين ولد صمب الفلاني:
أيتام أهلك واهلي تكفل كيفت فصال أهلك واهل
فالرش الكبلي والرش ال وسطاني والرش التلي
وربما لو انسجم أبو بكر ولد مسعود مع الثقافة السائدة للمجتمع يومها لكان يترنم مع الأعصار على ضفاف "لمشارع":
يوقي بخليطة يا لمليك *** راهي ساحل لمليطة ذيك
يمرة لاهي تجلج فيك *** قولة يوقي بيك خليطة
ساحل لمليطة يوقي بيك *** اخليطة ساحل لمليطة
لكن أبو بكر اختار طريقا آخر، مادت فيه لمم الشباب اليساري وهو يشدو:
أنا كدك وانت كدي
ماني عبدك
مانك عبدي
وفي ذلك المجال البنيوكي الكبير، تتناغم مسيرة أبو بكر مع الصوت الشعري للأرض، ربما لو نطق الزمان لقال إن المراحل التي كانت بين مسيرة أبو بكر ولد مسعود إلى نجدة العبودية، وتعبئة المجتمع كما هو الآن ضد جريمة الاسترقاق قريبة جدا من تلك المراحل التي كان يراها محمد باب ولد أحمد يوره، في طريقه إلى اكدم تنيدر:
إگدم تنْيَدَّرْ من صلّاح= أغفرشيت أمّالُ يُراح
حد امن أعلاب الحاسِ طاح= بعد انفَراگه ذ گدو
و انفَرَاگه منهَ ما صاح= لوتد كون إواجه وتدُ
ءُ حد اعل زيرت لوتد لاح= عينُ , شگنْدْ ارخَ بعدُ
ءُ زيرات السياح امن امرا=شگنْدْ إگدّو ينعدّو
ء ُ حد اعلَ زيرات السياح= ذاك اگدم تنْيَدّر عندُ
ولأن الطريق إلى الحرية كان سيرا في وعثاء غير ممهدة، فقد كانت العزيمة وأشواق الانعتاق عاملا أساسيا في توجيه روح النضال الذي كان يرى أن من تجاوز تلك الوعثاء سيجد الحرية أقرب إليه مما بين زيرات السياح واكدم تنيدر.
غير أن أبو بكر كان مثل سيديا ولد أسحاق، كلما علا شرفا أو هبط واديا هجمت عليهما الأشواق، أشواق الأرض والحرية.
سيديا ول إسحاق:
تِـفْگَـادْ أَعَـزْ اعْـرَبْ زَمُّـورْ وِاعْـرَبْ تِـنْحَسَّـنْ وَأَجَـمُّــورْ
ؤُتِـينِـنَـارْ ؤُبَـزُّولْ آمُــــــورْ جَانِي سَاحِلْ عَنْدْ أَهْلْ أَكْجِي
بَيْـنْ أَغَـنْجَابِـيـتْ ؤُتـِنْـمُــورْ ؤُمُـولِي وِانْبَـطَـارْ ؤُمَـخْـجِي
ؤُجَـانِي عَنْدْ احْسَيْ اعْـدَيْجَه فِـاتْـنُـــوبْ إِعْـلِــيَّ مِجَّـهْــجِي
وِاعْگَـبْ جَانِي عَنْـدْ انْـدَيْجَه ؤُبُوحَجْرَه وَاوْجَفْـتْ امْـبَـنْجِي
من ضفاف لكوارب إلى ثلج روسيا
كان دخول أبو بكر للمدرسة حدثا استثنائيا بين أفراد مجتمعه الضيق، حيث كان النفور بشكل عام من المدرسة طبيعة سكان موريتانيا كلها، وكانت الاستثناءات القليلة لصالح أولاد "اشيوخ" فقد كان الفرنسيون حريصين على تهيئة هؤلاء لتولي قيادة موريتانيا المستقبل.
ولأن أبو بكر لم يكن من بين هؤلاء، فلم يجد غير أن يستعيذ بدموعه، وهو يرى رفاقه في الظل واللعب البريئ يحملون كراسهم إلى المدرسة، فرق له مديرها وألحقه بالصف الابتدائي الأول لتبدأ من حينها رحلة طويلة من أجل نجدة العبيد.
في إعدادية روصو مطلع الستينيات، بدأت أذنا بوبكر تعيان بعض المبادئ اليسارية، ومع ذلك لم يكن يخفي عن بعض أصدقائه أن نضالهم اليساري وروحهم الثورية غير مقنعة له، لأنهم أبناء المجتمع السيادي والأسر الإقطاعية وفق تعبيره، ولا يمكنهم أن يعبروا الضفة الأخرى المواجهة لمجتمعهم وتقاليدهم وتاريخهم.
كان بلسان الحال معتقدا أنهم لن يستطيعوا الصراخ مثل يوسف ادريس "لن أعيش في جلباب أبي".
اهتز عنفوان ولد مسعود عندما خاطبه يوما أحد رفاقه الأطفال بلقب "أبو بكر لعبيد" فانتفض في داخله مارد من النضال ظل مستمرا حتى ألقى عصا الترحال، وضمه بردان من رمل في مقبرة.
في هذه الأثناء بدأ وعي عرقي يتشكل داخل حركة اليسار الموريتاني، كان المتياسرون من أبناء مجتمع الحراطين، يرون أن الحركة الوطنية قد أغرقت قضيتهم في صراع الطبقات العمالية، ولم تستطع أن تحول شعاراتها الأدبية ضد العبودية إلى ثورة ضد نظام التمايز الطبقي والعرقي، أو بالأحرى بدأوا يرون أنه ما حك جلدك مثل ظفرك، وأن ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
في روسيا التي انتقل إليها بوبكر بعد نيله الباكالوريا في الرياضيات بدأت حياة مهندس يساري، بارع، استطاع في سنوات قليلة أن يعود حاملا شهادة عليا نادرة في أبناء جيله، ليتولى مناصب متعددة، منها إدارة سوكجيم التي غادرها بعد ذلك ليصبح عاطلا عن العمل.
وقبل ذلك كانت عودته من روسيا عنوان تغير نوعي في مسيرة حركة الحر الناشئة يومها، بحكم ما يملك من قدرات مالية لم تكن متاحة لكثير من عناصر الحركة، وبحكم ثقافته، وكانت المنشورات التي تصدر باسم الحركة تطبع من خلال آلة كاتبة يملكها ولد مسعود خلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم.
وخلال هذه الفترة أيضا كان ولد مسعود من أبرز العناصر الفرنكفونية داخل الحركة وأكثرها تأثيرا في مواجهة تيار آخر من "المستعربين" الذين سرعان ما ذاب أكثرهم في مفاصل السلطة، ويتعلق الأمر خصوصا بالشق البعثي من حركة الحر.
في رحلته الأوربية أقام بوبكر في عواصم متعددة، وترك في بعضها بعض فلذات أكباده هنالك، غير أن تعلقه بوطنه ودعم قوى حقوقية غربية مهمة، أعاده إلى البلاد ليؤسس منظمة نجدة العبيد التي ظلت موضع رفض تام من السلطات الموريتانية طيلة عقد تقريبا قبل أن تفرج عن الترخيص لها سنة 2003 في واحدة من أهم الانفراجات الحقوقية في موريتانيا.
ربما كانت أبرز ميزة لولد مسعود أنه مايز بين العمل الحقوقي والسياسي، أو بالأحرى كان التفكير السياسي ضامرا في خطابه مقارنة بالجانب الحقوقي، ولذلك لم يهتم بالترشح ولم يتوشح خطابه بالنقد السياسي للنظام أو المعارضة، بل ظل يحمل هما واحدا وهو محاربة العبودية والتصدي لمظاهرها وجرجرة ما أمكن من حالاتها إلى العدالة.
ومع العقد الثاني من الألفية بدأت نجدة العبيد تفقد صوتها وحركيتها بعد أن تجاوزها الزمن والخطاب السياسي الحقوقي الجديد لأبناء ضحايا الاسترقاق مع ظهور حركة إيرا التي ألقت على الهامش القوى السياسية والحقوقية المحسوبة على شريحة الحراطين، وبخطاب عاصف ذي مطبات متعددة، أصبحت الصوت الأعلى بين المتحدثين في ملف العبودية.
ومع ذلك ظل أبو بكر جزء كبيرا من مساحة الضوء، رغم وهن العظم واشتعال الرأس شيبا، وانشغال الوجدان بمسار جديد من الإيمانيات، حيث أصبح مؤذن مسجد، وأدى الحج مرتين على الأقل، وأصبح أكثر قربا من الحياة الدينية.
يمتاز ولد مسعود بخصال متعددة أبرزها الوضوح والصدق البنيوكيان، فما زال أبناء ذلك النهر مصرين على أن لا يواربوا وأن لا تتسرب إليهم مجازات التعبير وكنايات الأساليب التي غض بها الفضاء الثقافي والجغرافي القريب منهم، كما أن الجميع يعرف أن أبو بكر لن يكذب، ولن يقبل أيضا أن يكذب أحد أمامه، كما أنه أيضا يمتاز بالوفاء الشديد لصداقاته، وخصوصا تلك التي نسجتها سنوات الطفولة، وهو ما تظهره علاقاته الخاصة جدا مع العالم الجليل باب ولد المختار ولد حمدي رحمه الله تعالى حيث جمعتهما سنوات الطفولة في إعدادية لكوارب، ثم جمعتهما مودة عابرة للمواقف والزمان والمكان، وكان من الغرائب جدا أن أحد العباد المخبتين فوجئ صبيحة وفاة ولد مسعود برؤيا يظهر فيها باب ولد حمدي وهو يدعوه إلى المشاركة في الصلاة على أحد "أعز الأصدقاء" ليرسم ذلك جزء من علاقات الأرواح في عالمي الشهادة والغيب.
برحيل أبو بكر ولد مسعود يمضي حكيم الحراطين الأكثر دفاعا عنهم والأصلب في المنافحة عنهم، ويمضي دون شك رجل لم يخلط نضاله بغير المبدئية، وتستقبل المقابر أحد الذين عاشوا ثمانية عقود صارخين في وجه استعباد الإنسان للإنسان، والتمييز بين أبناء آدم على أساس العرق أو اللون، ليختط له ضريحا في أرض الحكايات التي لم تكتمل ولسان الحال يردد:
صاح هذه قبورنا تملأ الرحب فإين القبور من أهل عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وتنطوي بذلك رحلة جسد مضنى وروح متوثبة وحكاية كتبها الشعور بالتمييز وتواصلت فصولها نضالا ضد الطبقية الظالمة.. غير أنها قصة لم تكتمل..
إمام لـ "وكالة أنباء لكوارب"
