أزمة النخبة الموريتانية بين الترهل والانفصام، واستثمار الأزمة لإدامة التبعية

الولي سيدي هيبه

في صميم المشهد الموريتاني المعاصر، تعيش النخبة الفكرية والثقافية أزمة مركبة، تتداخل فيها مظاهر الترهل البنيوي مع انفصام تاريخي عميق. فبدل أن تضطلع بدورها الطبيعي بوصفها طليعة للتغيير وقاطرة للتحول نحو استخلاف حضاري يقوم على إعمال العقل وإقامة العدل، انقسمت هذه النخبة إلى نموذجين متقابلين في الشكل، متشابهين في الفشل.

نخبة رجعية، تحتكر الخطاب الديني والهوياتي لتأبيد امتيازاتها، وتفرغ المفاهيم الكبرى من محتواها التحريري. ونخبة واعية في تشخيصها، لكنها خائبة في فعلها، منزوِية في أبراجها العاجية، عاجزة عن التواصل مع المجتمع أو التأثير في مساراته.

هذه الأزمة ليست عارضة ولا هامشية، بل هي تعبير عن خلل بنيوي حول النخبة من أداة للتقدم إلى عائق أمامه، ومن رافعة للوعي إلى مادة سهلة للاستغلال السياسي.

تتمثل خطورة النخبة الرجعية في قدرتها على سلب المعنى وتكريس الجمود، وتحويل كل مصدر من مصادر القوة الحضارية إلى أداة تدمير ذاتي. فهي تمارس سرقة اللفظ وتزوير المعنى، مستخدمة مفردات التقدم لتكريس نقيضه: فالدين يختزل إلى غطاء لمعاداة العقل، والعلم يتحول إلى شهادات للزينة الاجتماعية، والهوية تختزل في قوالب مغلقة تخنق الفكر وتمنع التجدد.

وتعمل هذه النخبة على خلق مناخ ثقافي يجرم فيه النقد ويصور التفكير الحر باعتباره خروجا على "الدين" أو "الثقافة"، فيتحول المجتمع إلى حظيرة فكرية، تدار بالتحريم والتخويف بدل الحوار والإقناع. كما تحول المعرفة إلى سلعة طبقية، تحتكر وجهيها الديني والدنيوي، لتبقى نادرة ومنتجة لرأس مال رمزي يضمن استمرار الهيمنة، فتقتل الروح التحريرية للعلم، ويعاد إنتاج "السيباتية" بأدوات العصر من إعلام وتكنولوجيا وخطاب منمق.

 

31 January 2026