دفاعا عن الحقيقة.. لا عن المهرجان

تابعتُ خلال الفترة الأخيرة الهجوم الواسع الذي تعرّض له مهرجان المذرذرة الدولي، وهو هجوم كان في جانب منه موضوعيا ومقبولا، غير أنه – وللأمانة – جانبَ الحقيقة والصواب في جوانب عديدة، بل وصل في بعض الأحيان إلى حدّ استخدام أساليب غير أخلاقية استهدفت رئيس المهرجان بشكل شخصي.

وهنا أودّ التأكيد على أنني لم أتطرق إلى المهرجان لا سلبا ولا إيجابا، لسبب بسيط يتمثل في أنني لم أتلقَّ أي دعوة أو إشعار خلال جميع مراحل التحضير، وصولا إلى انطلاقته. وقد رأيتُ في ذلك رأيا وخيارا لبعض القائمين عليه، فآثرتُ الصمت، خشية أن يُفهم أي موقف مني على أنه نابع من انزعاج شخصي أو رغبة في الاسترضاء، ولذلك آثرت طي هذا الملف وعدم الخوض فيه.

وأعتقد أن خدمة المذرذرة تقتضي هذا القدر من التعالي عن الحسابات الضيقة، فقد قدمنا في مراحل سابقة ما استطعنا من جهود لخدمة هذه المدينة، وكل من يسلك هذا الطريق يستحق التقدير، مهما بالغ في الإقصاء أو حرص على التغييب.

يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي

أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ

وعند تقييم المهرجان بموضوعية، قد نخلص إلى أنه لم يكن من أسوأ المهرجانات التي نُظمت مؤخرا، بل إن الوزارة المعنية نفسها تنقلت إلى مهرجانات ورعت أخرى أقل شأنا وأهمية. نعم، كان من الضروري أن نحترم ذواتنا، وأن نبني على ما تحقق باعتباره تجارب تراكمية وخطوات يمكن تطويرها، لا أن نسعى إلى إلغاء نسختين من مهرجان المذرذرة نُظمتا بموارد أقل، وكانتا – في الجوهر – قريبتين من النسخة الأخيرة.

ومهما يكن من أمر، فإنني أرى أن تنظيم المهرجان في حد ذاته يُعد نجاحا كبيرا، وكانت المقاطعة في حاجة ماسة إليه. ومن الإنصاف أن نكون موضوعيين في تقييمه، خصوصا أنه وقع بين ثنائيتين متناقضتين: معارضون له لا يرضون عن أي نشاط دون مشاركتهم مهما بلغ نجاحه، ومشاركون طغى عليهم الطابع الشخصي فكان الفشل قرين كل عمل تصدّروه.

غير أن الأخطر من كل ذلك هو صمت بعض الأطراف ومشاركتها طيلة فترة التحضير، قبل أن يفتحوا "مدفعيتهم الثقيلة" في اللحظات الأخيرة، بعد أن تيقنوا أنهم لم يحصلوا على "الفتات" الذي كانوا ينتظرونه. فبأي حق يُشن هذا الهجوم اللاذع على رئيس المهرجان الدكتور محمد سالم ولد الصوفي، بل ويتعدى ذلك إلى أسرته المباركة الكريمة، بأسلوب ساقط تفتقر مزاعمه إلى الأدلة والبراهين؟

والواقع – حسب ما تسرّب – أن رئيس المهرجان ترك الجوانب التنظيمية والمالية لجهات مختصة كُلفت بذلك منذ البداية، ولم يُقحم نفسه في تفاصيلها.

نختلف أو نتفق مع الدكتور محمد سالم، لكن من الإنصاف القول إنه لم يزرع في هذه الأرض إلا الاحترام. فهو أديب وروائي معروف، عمل لسنوات في كبرى القنوات العالمية، وقدم أداء يؤكد مستواه الرفيع في الإعلام والأدب، وله مؤلفات مميزة في مجالات متعددة. فكيف نسمح لأنفسنا بالإساءة إليه، وتحريض التافهين ضده، لمجرد أنه طمح وبذل جهده لخدمة مدينته، التي لم يرَ فيها كثيرون سوى "بقرة حلوب" في مختلف المراحل؟

إن أسرة أهل الصوفي تستحق كل التقدير والاحترام، ولا أظن بقعة في هذه البلاد إلا واستفادت خلال السنوات الأخيرة من فضلها وكرمها. أفلا يُعد ذلك سببا كافيا لتجنّب نكران الجميل؟

ألا تكفي الجهود الدعوية والإصلاحية المباركة التي بذلها الشيخ محمد باب الصوفي رضي الله عنه في شمامة وروصو وضواحيها دون منّة أو أذى؟ (باب سيس رين مزاه، والله ال رين مزاه)..

ألم نلحظ الإجماع الواسع الذي يحظى به الشيخ أمين الصوفي في عموم موريتانيا، بما يتمتع به من بساطة وتواضع وروح إيجابية، رغم المكانة والتموقع؟ لقد طرق كل الأبواب، ورافق الجميع، وسعى – بكل تواضع – إلى حشد الدعم من أجل إنجاح المهرجان خدمة للمذرذرة ومصالحها.

فلمصلحة من يُهاجم كل هذا الجهد الطيب المبارك، بسبب أخطاء محدودة في عمل بشري بطبيعته قابل للنقص؟

أدعو أهل المذرذرة إلى احترام صلحائها، وتقدير شخصياتها الطموحة التي تحمل الخير للجميع، وألا تعمينا المصالح الشخصية عن الاعتراف بجهود الآخرين، خاصة حين تكون جهودا كبيرة لا تخطئها العين.

 

بقلم/ إمام الدين ولد أحمدو

 

30 December 2025