لطفك اللهم بآل بيت الأمين وخِلّانه

التقيت بالدكتور محمد الأمين محمد المصطفى رحمه الله لأول مرة في تيفيريت (قرب انواكشوط)، في إحدى زياراتي عام 2005 أو 2006. وقد ظلت لقاءاتنا لماما حتى مقامي في موريتانيا في السنوات الأخيرة، وإن كانت قد توطدت أكثر قبل ذلك عن بُعد.
ولكن لن أتحدث هنا عن محامد الفقيد التي يعلمها كل من عرفه؛ من أدب، ودقة فهم، ونفي للذات، وحمل لهموم الأمة، وتعدد في المواهب... وإن كنت أرى أنه لم يُوف بعدُ حقه في ذلك. ولكن ما أريد أن أشير إليه، مما استوقفني بعد هذه المصيبة، هو تذكر حجم أثرها على أبويه وذويه وخلانه، انطلاقا مما أوقعته في نفسي.
فعلى الرغم من أخوّتي له رحمه الله، وصلتي به التي ظل يتعاهدها هو بشكل أفضل، ويبلّها ببِلالها، حتى قبل ثلاثة أيام من وفاته، إلا أنها ظلت صُحبة ذات مدى زمني قصير نسبيا. ومع ذلك لا يزال رحيله المفاجئ في أوج شبابه وعطائه يشلّ أركان يومياتي ويمسك بتلابيب قلبي؛ ولا يفارقني طيفه وذكرياته. يفرض عليّ نفسه في كل حين وساعة، بابتساماتِه التي تملأ النفس فرحا وحبورا عندما تلتقيه في أي مناسبة، ورؤيته يتأبط كتابا أو يقرأ منه، وإطلالته البهية من على المنابر والمنصات، ومجالسته التي يجمع لك فيها الطرفة والنكتة الأدبية بالآراء والأفكار العلمية الرصينة الأبكار.. ثم أقول في نفسي، لعلي أسلو حين ألوذ ببعض إنشاده ومداخلاته وإشراقاته أو ما يُنشر عنه على مواقع التواصل فلا أزداد بذلك إلا لوعة واشتياقا وألم فراق!
فإذا كان هذا حال إخوة الأمين وأصدقاءه ومعارفه، فماذا عن أبويه وذويه وآل بيته وخلانه.. لطفك اللهم بهم.
نعم، آل محمد المصطفى بيت إيمان وعلم ودعوة، وقد أثبتوا بعد هذه الفاجعة أنهم مثال للصبر واليقين وحسن التسليم بقضاء الله وقدره. ولكن طالما أن هذا حالنا مع الفقيد فكيف بمن كان بالنسبة لهم قطعة من الروح تمشي على الأرض! ومَن يعرف آل بيت الأمين لا شك يعلم محوريّته في حياة الأسرة. وأذكر أني التقيت قبل وفاته بأيام قليلة أخته مريم فكان شغلها الشاغل هو وصيتي، ومن خلالي وصية أصدقائه، بحثه على الاعتناء بصحته وأخذ قسط من الراحة يعينه على مشقة الأسفار والأنشطة والتدريس.
لقد فقدتُ أخي محمدُ ولد طالبن (الاسم الذي يعرفه به زملاؤه في الدراسة، ومنهم الراحل الأمين) بشكل مفاجئ سنة 2009 وهو في ريعان شبابه وفتوّته. بعد تخرجه من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية بقليل، وبعد أن حفظ القرآن في صغره وأخذ نصيبا من الفقة واللغة والأدب، وكان برّا تقيا حسن الخلال، ولا يزال جرحه في الأسرة مفتوحا إلى اليوم. ولعل رحيل الأمين هيج لي لوعة فراقه من جديد، عليهما من الله شآبيب الرحمة.
فليس سلوان الأسر بعد فقد أبنائها الشباب الأبرار بالأمر الهيّن، ولا مقاومة الذكريات والفراغ الوجداني بعد انصراف المعزين في اليوم الثالث ممكنة دائماً. ولكن المعوّل عليه بعد الله سبحانه وتعالى وكثرة استغفاره وذكره هو دعاء الأهل والمعارف مباشرة وبظهر الغيب، فتذكروهم كل ما تذكرتموه رحمكم الله.
نسأل الله أن يغفر لأخينا الأمين وأن يرفع درجته في المهديين وأن يتقبله في الصالحين، وأن يربط على قلوب ذويه ومحبيه وأن يرزقهم الصبر والسلوان.
ولطفك اللهم بآل بيته وخلانه!
بقلم: الدكتور عبد الله بيان
