إمام الدين أحمدو يكتب: اللقاء الأخير..

لا أخفيكم أن رحيل محمد الأمين محمد المصطفى، "ألمين"، كان مفاجئا كالصاعقة، وما زلت إلى الآن تحت وطأة الصدمة.
ورغم أنني أزعم أنني من الذين يكثرون من قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند سماع خبر الموت، فإن هذا الفقد الذي أتي بغتة زلزل القلب، ولولا الإيمان بالله لكان الصبر عسيرا شديدا.
كنت أزور معطى مولانا، وأستمتع – بل وأتفاعل وجدانيا – مع مدائح عبد الله نجل الشيخ الحاج المشري، وكنت دائما أقول إنه لا يُعوَّض في مجال المديح النبوي، لما يمتلكه من صوت عذب، مؤثر، وجميل. وحين زرت المدينة التربوية بعد وفاته، ازددت يقينا بتلك الحقيقة، وأدركت أن بعض الغياب لا يُعوَّض.
عرفت "ألمين" قبل نحو عشرين عاما، وخلال السنوات الماضية جمعتني به عضوية عدة لجان، وسافرت معه سفرا طويلا انتهى بالمبيت في منزل والده الصابر المحتسب بقرية أغشوركيت، تلك القرية المحروسة المباركة.
وأشهد – عن معرفة وقرب – أنه في مجالات عديدة كان من الشخصيات التي لا تُعوَّض، وذلك قدر الله، ولا راد لقضائه.
وأكثر صفة أعتقد أنها ميّزت حبيبنا الراحل هي تواضعه؛ تواضع صادق عميق، وبساطة آسرة، وروح جندية نادرة، واستعداد تام لأداء أي مهمة تُسند إليه دون تردد أو ترفع.
تخيلوا أن هذا العبقري كان يقبل بعضوية لجان تضم أمثالي، رغم أنه – وبكل صدق – لا مجال للمقارنة بينه وبين أعضائها. إنها صفة التواضع التي يحبها الله، والتي ميّزت غالبية العظماء عبر التاريخ. لقد عاش لله بسيطا، ولذا رفعه الله.
فلم يعد فقيد نفسه، ولا أسرته، ولا حركته، ولا حزبه فحسب، بل أصبح فقيد وطن وأمة.
بكاه من عرفوه، وبكاه من لم يلتقوه؛ بكاه الرجال والنساء، الكبار والصغار. أحبه الناس لأنه كان نزيها، محترما، متعففا، عاش بهذه القيم ومضى عليها.
نعم، كانت وفاته مؤلمة مفجعة، ولكننا مؤمنون بالله، وما قدّره الله هو كائن لا محالة، صغيرا كان أو كبيرا، لحكمة لا يعلم تمامها إلا الله سبحانه وتعالى.
نحمد الله على نعمة وجودك بيننا تلك السنوات، وستظل ذكراك حاضرة لا تغيب.
رجل عاش محترما، ومات محترما، وقد قدّر الله له تلك الجنازة المشهودة، شهادة صادقة على مكانته في القلوب.
نِعْمَ الرجل، ونِعْمَ التربية، ونِعْمَت الأسرة والقبيلة جميعا، ونِعْمَت التنشئة، ونِعْمَت الأرض الطيبة التي وُلد فيها محمد الأمين.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
مناسبة الصورة كانت آخر لقاء مع حبيبي في هذه الدنيا الفانية..
