الدنيا سراب..

هذه حقيقة نؤمن بها نظريا.. ونرددها دائما، لكننا نغفل عنها في زحمة الحياة والآمال العراض.. والتمني الأبله..

فجعت كغيري من أهل هذه البلاد، بل من أطراف الأمة الإسلامية كلها برحيل فتيان صدق ورفاق مسار.. وتلقيت النبأ بذعر مخلوط برفض وجداني للخبر الصاعق..

"لمين؟! لمين؟!" هكذا خاطبت الناعي وأنا في ذهول الصدمة..

ومع توالي الساعات لم أجد المصيبة تصغر بعد هول الصدمة.. بل وجدتني أتبين عظم الرزية، وباتت نفسي تحدثني كل مرة عن فراغ في جوانب من حياتي: كيف ستكون المجالس بعد رحيلك يا محمد لمين؟ أين شذرات الفكر وجماليات الأدب وقطرات الروح الزكية ونسائم الرقائق وماتعات الطُّرَف .. وأين بسمتك؟ أين إطلالة محياك ؟؟ أقسم بالله لقد كان مزاجي يصفو وروحي تعتدل حين تطل باسما.. ولقد كنت أسأل الداعي حين يدعوني لمجلس استرواح: أسيأتي لمين؟ فإن أجاب تخففت من التزاماتي وخفيت نحوك.. لكنني لم أخبرك كثيرا بأنني أحبك.. لقد أخبرتك مرة بأنني أحبك في الله وفي المزاج.. لكنني لم أهتبل فرصتك.. ولم أشبع من لقاءاتك إطلاقا..

وحقا هل ثمة مبرر أصلا لانعقاد مجالس أحبتك بعدك؟ .. اللهم لا اعتراض على قضائك.. ولكنها الغصة على فقدك.. ولا أقول إلا ما يرضي ربنا..

غالبا يفتقد الناس في الراحلين الفراغ الذين يتركونه في نفوسهم.. أوالفراغ الذي يتركون في المجال العام .. ولقد تركت فراغا في نفوس كثير من الناس على مستوى علاقتك الشخصية بهم: صديقا أو أخا أو زميلا ، كما تركت فراغا كبيرا في المجال العام: في منابر الدعوة ومجالس الأدب وكراسي العلم ومحاضن التربية.. لقد كان منطقك حلوا، وفكرك أصيل، وأسلوبك ماتع ورساليتك بادية، لقد كنت تتركنا ونحن في ذروة الانبساط مع بعض، مغلبا درسا في جمعية أو محاضرة في منتدى أو اجتماعا في إطار مبادرة دعوية.. وقد كنت أشفق عليك وأنت المريض بالسكري ، فأقول لك رفقا بنفسك والتزم ببروتوكول السكري، لكنك كنت تسابق زمنك المبارك وعمرك القصير المثمر، وقد تركت أثرا جميلا وذكرا طيبا وتأثيرا واسعا.. أسأل الله أن يتقبل منك الصالحات، لكنك تركتنا بلا لمين.. فيا لطف ربنا بقادم الأيام إن كان في العمر بقية..

عزائي لنفسي ولكل أحبة الكاتب المربي الداعية المفكر الأديب.. وقل ما تجتمع هذه الصفات وتلك الاهتمامات.. عزائي لهم كلهم، فقد رحل من كان عزيزا على الروح قريبا من النفس: فاللهم ارفع درجاته في المهديين واخلفه في عقبه، وتقبل صالحاته، واغفر سيئاته بغزير حسناته، ولا تره ياربي مكروها بعدنا.. ولا تفتنا بعده، وألهمنا اقتفاء أثره واربط على قلوبنا.. واعف عنا.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

صبحي ودادي

 

28 December 2025