العيد ولد يرگ.. رحيل هادئ لرجل عاش بصمت وذهب في صمت

في مدينة روصو، ومع ساعة الغروب الحزينة، خيّم الأسى على محيط الإدارة الجهوية للتربية بعد الإعلان عن وفاة رئيس مصلحة المصادر البشرية، العيد ولد يرگ؛ الرجل الذي أمضى حياته ينسج مسيرته المهنية بصدق، ويخط أثره الأخلاقي بصمت، دون ضجيج ولا ادعاء.
وُلد العيد ولد يرگ عام 1963 في مدينة المذرذرة، حيث التقطت الحياة أولى صوره، وشهدت أزقتها نشأته الأولى وتعليمه الابتدائي والثانوي في ثانويتها العريقة.
كان طفلا هادئا، محبا للعلم، يلفت الأنظار بالتزامه أكثر مما يلفتها بصوته.
التحق بـمدرسة تكوين المعلمين، وتخرج منها سنة 1995، لينطلق إلى رحلة طويلة في خدمة التعليم بمختلف مناطق البلاد. أينما حل، بقي النموذج الهادئ للمعلم الذي يرى في رسالته عبادة، وفي القسم التزاما، وفي تلاميذه أمانة.
لم يكن الراحل مجرد موظف يؤدي عمله؛ كان بوصلة قيم. خدم وطنه بعقل ثابت وخلق رفيع، حتى استقر أخيرا في رئاسة مصلحة المصادر البشرية بالإدارة الجهوية للتربية في اترارزة، وهو المنصب الذي شغله لسنوات بثقة وهدوء وكفاءة مشهودة.
خارج المكاتب، انتمى العيد ولد يرگ لجماعة الدعوة والتبليغ، وجاب عشرات القرى والأرياف داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
كان يدعو بلا تشدد، وينصح بلا صخب، ويتحرك بقلب محب للناس جميعا. ولم تُعرف عنه مواقف حادة أو شاذة؛ فقد كان رجل وسطية واعتدال، يميل بطبعه إلى الظلال الهادئة بعيدا عن الأضواء.
امتلك الراحل سمعة طيبة بين زملائه وأصدقائه، حتى بدا اسمه كفيلا بالثقة والاحترام، وقد تجلى موقعه في القلوب من خلال موجة الحزن العارمة التي عمّت وسائط التواصل الاجتماعي فور الإعلان عن رحيله المفاجئ.
احتشد المصلون في مسجد الهدى بحي الصطارة في روصو للصلاة على جثمانه، فيما وقفت أسرته تتلقى التعازي بقلوب يعتصرها الألم، لكنها مسلمة بقضاء الله وقدره.
برحيل العيد ولد يرگ تطوى صفحة رجل من جيل نادر؛ جيل أحب وطنه بصدق، وخدمه بإخلاص، وسعى لإصلاحه بعمل يومي دؤوب، لا برفع الشعارات.. جيل يمشي على الأرض برفق، ويترك وراءه سيرة نظيفة ترويها الألسن بمحبة، وتذكرها القلوب بامتنان.
رحم الله العيد ولد يرگ..
وأسكنه فسيح جناته..
وجعل عمله الصالح رفيقا له في دار البقاء.
