الضمير المزدوج: كيف نُدين الكبائر ونُشرعن الصغائر في حياتنا اليومية؟

في خضم المعركة المحتدمة ضد الفساد المالي والإداري، تتجه سهام النقد عادةً نحو القصور العالية، ومفاصل الدولة، وكبار المسؤولين. لكن ماذا لو كان هذا التركيز بمثابة تشخيص جزئي للمرض؟ ماذا لو كان "شبح الفساد" ليس مجرد آفة مستوردة أو قناعة مفروضة من القمة، بل ثقافة مجتمعية متأصلة تتغذى على تجاوزاتنا اليومية الصغيرة؟ إننا نغض الطرف عن "الفساد الصامت" الذي يتغلغل في نسيج المجتمع الموريتاني البسيط، وهو، للأسف، مرآة عاكسة، بل ومنبع، لكل ما نشتكي منه في الأعلى. دعونا نغوص في زوايا الظل هذه، التي تكشف عن "بروفة" يومية للنهب، قبل أن يتحول إلى ميزانية ضخمة.
في قلب الأحياء الشعبية بنواكشوط وضواحيها، حيث تتشابك الأسلاك كأفاعي ليلية، ثمة شبكة موازية تُدار بقوانينها الخاصة. هنا، لا قيمة للعداد ولا قدسية للاشتراك الرسمي. إنها "ميزانية الظل" للاستهلاك الكهربائي. نتحدث عن رقم ضخم ومقلق: 30% من الساكنة – وفق بعض التقديرات – يمارسون شكلاً من أشكال "القرصنة المجتمعية" على مورد عام، عبر ما يُعرف محلياً بـنيش "الربط العشوائي". والمثير للدهشة هو "تقنين هذا الفساد الصغير". يدفع المواطن هنا بـ "تعريفة الرشوة المتفق عليها": 2000 أوقية قديمة لـ "كهرباء الأقل"، و 6000 أوقية قديمة لـ "كهرباء الثلاجات والرفاهية المزوّرة". عندما يدفع الفرد مبلغًا معلومًا ليستهلك ما يشاء خارج إطار القانون، فإنه يرسل رسالة واضحة للمجتمع والدولة مفادها: "القوانين قابلة للاختراق، والقيمة مقابل المال ليست صادقة." كيف ينتظر هذا المواطن نفسه محاسبة مسؤول كبير اختلس المليارات، وهو يشارك بوعي في سرقة مورد أساسي؟ إنه يشتري لنفسه "صك الغفران المجتمعي" مقابل 6000 أوقية! هذا السلوك يكسر الحاجز النفسي أمام السرقة الكبرى.
وفي مشهد آخر لا يقل دلالة، نجد أنفسنا في قاعة دورة تدريبية هدفها بناء الكفاءات وتنمية الأخلاق المهنية. لكن عندما يحين وقت الاستراحة، يتحول المشهد فجأة إلى حلبة سباق! لا تدريب ولا أخلاق، بل "هجمة شرسة" على بوفيه الإفطار. إنها ظاهرة الثلاث حصص! يندفع الجميع – المتدرب والمحاضر على حدٍ سواء – ليس لسد الجوع فحسب، بل "للاستحواذ الأقصى". كلٌ يملأ صحنه بثلاثة أضعاف حاجته الفعلية، والكل يعلم أن التكلفة مُحتسبة وموزعة عليهم (على حساب المشاركين/الجهة الممولة). هذا ليس جشعًا عاديًا، بل هو "ممارسة عملية للنهب الجماعي المنظم" في بيئة يُفترض بها أن تكون نموذجًا. إنها "بروفة الفساد الكبير". الفرد الذي يسرق حصص زملائه من طعام بُرّر تمويله باسمهم، هو نفسه الذي سيبرر لنفسه سرقة المال العام عندما تتاح له الفرصة! إنها عقلية "أخذ الحد الأقصى دون رقيب أو حسيب، لأن البقية تفعل المثل". وهذا هو التعريف الحقيقي للفساد المنظم.
الفساد ليس ظاهرة حكومية مستوردة، بل هو ثقافة مجتمعية متجذرة وممارسة يومية يشارك فيها "البسيط" قبل "الوزير". إن مخرجات مجتمع يشرعن لنفسه سرقة الكهرباء ويتبارى في نهب بوفيه الإفطار، هي بالضرورة مخرجات فاسدة! لأن الضمير العام الذي يسمح بهذه التجاوزات الصغيرة، هو ذاته الضمير الذي سيغض الطرف عن الكبائر في مكاتب الدولة. إذا لم نحارب الـ 6000 أوقية قديمة في أسلاك الأحياء و "صحن الإفطار الإضافي"، فسنظل ندور في حلقة مفرغة نلوم فيها "مفاصل الدولة"، وهي في الحقيقة مجرد انعكاس مكبّر لممارساتنا اليومية. إنه لنداء حقيقي للتطهير يبدأ من الذات والحي، قبل أن يصل إلى أروقة الحكم! إن مكافحة الفساد يجب أن تبدأ من إطفاء "كهرباء الظل" وإعادة طبق الطعام المهدر إلى مكانه. حينها فقط، سنكون مستعدين أخلاقياً لمواجهة المليارات المنهوبة.
محمد علوش القلقمي
