موريتانيا... حين يُجلَد صوت الحرية

القمع والتعذيب.. الوجه الآخر لمعاملة الدولة لحركة "إيرا"

في بلد يُفترض أنه يسير نحو الديمقراطية واحترام الكرامة الإنسانية، ما زال القمع في موريتانيا يُمارس كأنه سياسة دولة، والاختلاف في الرأي يُعامَل كجريمة، والاحتجاج السلمي يُواجه كتمرّد على النظام.
تُعامِل السلطات الموريتانية نشطاء حركة "إيرا" — الحركة التي تبنّت منذ تأسيسها راية الدفاع عن الكرامة ومناهضة العبودية — بأساليب قمعية تعيد إلى الأذهان عهود الاستبداد والاضطهاد لنظام إجرامي يمارس كافة أنواع انتهاكات حقوق الإنسان.

منذ أكثر من عقد، دفعت الحركة ثمن جرأتها في فضح ما تعتبره تواطؤًا ممنهجًا مع بقايا النظام العبودي، وصرخت بشكل لا هوادة فيه ضد ممارسات القمع التي ينفذها النظام الاستعبادي.
بدلاً من الإصغاء إلى مطالب الإصلاح والعدالة، اختارت الدولة طريق البطش: الهراوات بدل الحوار، السجون بدل النقاش، والمحاكمات الملفقة بدل احترام القانون. وكأنّ من يطالب بالحرية في هذا البلد يرتكب خطيئة لا تُغتفر.

رغم توقيع موريتانيا على الاتفاقيات الدولية التي تُجرّم الرق والتعذيب، فإن الواقع يؤكد أن الحماية الفعلية تُمنح للمتنفذين ولرموز البنية العبودية القديمة، بينما يُحاصر ضحاياها ونشطاءها بالعنف والملاحقة القضائية.
الدولة مُصِرّةٌ على توفير الحماية للأسياد خشيةَ أن تطالهم العدالة، في حين أنها صادقت على جميع الاتفاقيات الدولية التي تُجرِّم استغلال الإنسان والاتجار بالبشر. كما أن التشريعات المعتمدة في البلاد تستند، في كثير من جوانبها، إلى متونٍ فقهيةٍ تبرّر أو تُجيز الاسترقاق.

التعذيب في مخافر الشرطة.. جرحٌ مفتوح في الجسد الوطني

تتواتر الروايات المؤلمة عن ما يجري داخل مخافر الشرطة حين يُعتقل نشطاء "إيرا":
ضرب مبرّح، إهانات عنصرية، حرمان من النوم، تقييد بالسلاسل، إجبار على توقيع محاضر لم يقرؤوها، ومنع من التواصل مع المحامين أو العائلات.
وغالبًا ما تُستخدم التهم الملفقة لتبرير الاعتقال أو طمس آثار التعذيب.

هذه الوقائع ليست تجاوزات فردية، بل تعكس سياسة أمنية ممنهجة لإخضاع الأصوات الحرة.
التقارير الحقوقية الدولية — ومنها تقارير منظمات كـ"العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" — وثّقت هذه الممارسات، ومع ذلك، نادرًا ما تُفتح تحقيقات أو تُحاسب الجهات المتورطة، في تجاهلٍ صارخ لالتزامات الدولة القانونية والأخلاقية.

في بلد يُفترض أن تكون الشرطة فيه "في خدمة المواطن"، تحوّلت إلى أداة ترهيبٍ بيد السلطة، تمارس القمع بدل الحماية، والتعذيب بدل تطبيق القانون.

القضاء.. صمت يوازي التواطؤ

العدالة في القضايا الحقوقية في موريتانيا باتت شاهدةً لا تتكلم، بل هي ظالمة ومنحازة في كثير من الأحيان.
النشطاء يُعتقلون دون إذن قضائي، ويُحرمون من أبسط حقوق الدفاع، بينما تمرّ قضايا التعذيب دون مساءلة أو حتى فتح تحقيق.
بهذا الصمت، يتحوّل القضاء من حصنٍ للعدالة إلى درعٍ يحمي الجلادين، في انتهاكٍ صارخٍ للدستور وللقوانين الوطنية وللمواثيق الدولية التي التزمت بها الدولة.

الخوف من الحقيقة

السلطات تخشى "إيرا" لأنها لا تساوم على الحقيقة.
فالحركة لا تطلب سلطة ولا امتيازًا، بل تُطالب بحق الإنسان الموريتاني في الكرامة والمساواة.
لكن النظام يرى في هذا الخطاب تهديدًا لبنيانٍ اجتماعي هشٍّ يقوم على الولاءات والطبقية، ولذلك يختار القمع طريقًا لإسكات الضمير.

ومع ذلك، فإن القمع لا يُخمد الفكرة، بل يُغذيها.
فكل ناشط يُعتقل أو يُعذَّب يُحوِّل الألم إلى وعي، ويجعل من حركة "إيرا" رمزًا للمقاومة السلمية ضد الظلم والاستعباد.

رسالة إلى السلطة

إن التعذيب والاعتقالات السياسية لن تُرهب الضمائر الحرة، بل تُدين من يمارسها.
فالدول التي تضرب مواطنيها لأنها يطالبون بالحرية لا تُبنى على الخوف، بل على الانكسار.
موريتانيا لا تحتاج إلى مزيد من السجون والمخبرين، بل إلى عدالة تُنصف المظلومين، وقانونٍ يُطبَّق على الجميع دون استثناء.

الحرية لا تُمنح بالمنة، ولا تُصادر بالهراوة.
والتاريخ لا يرحم من يقف في وجه العدالة.
سيأتي يوم يُسأل فيه كل من أمر أو سكت:
لماذا عُذّب الناس لأنهم قالوا الحقيقة؟
ولماذا خافت الدولة من صوتٍ يطالب بالكرامة؟

 

 

بقلم: الشيخ التيجاني أحمدو يرك
محرر بـ "وكالة أنباء لكوارب"، مكلف بالتقارير والمتابعات

 

 

20 June 2024