العبودية في موريتانيا.. جرح مفتوح وقمع ممنهج لصوت الحرية

رغم مرور أكثر من أربعة عقود على تجريم العبودية في موريتانيا، لا تزال مظاهرها تتغلغل في المجتمع الموريتاني بأشكال متعددة، منها ما هو علني صريح، ومنها ما يتوارى خلف واجهات اجتماعية واقتصادية وسياسية تكرّس واقع التمييز الطبقي والإقصاء. فبلد يُفترض أنه ألغى الرق قانوناً ما يزال، في واقع الأمر، يعيش على أنقاض نظام عبودي لم يُهدم بعد.
العبودية في موريتانيا ليست مجرد ممارسة فردية، بل هي نظام اجتماعي راسخ يجد جذوره في التاريخ ويستمد بقاءه من صمت مؤسسات الدولة ومن تواطؤ النخب السياسية والدينية التي تخشى انهيار التوازنات التقليدية إن هي واجهت هذا الملف بشجاعة وعدالة.
تعيش شريحة “لحراطين” – وهم المنحدرون من أصول مستعبدة – في أسفل الهرم الاجتماعي، محرومين من أبسط حقوقهم في التعليم والعمل والمشاركة السياسية. كثيرون منهم ما زالوا يعيشون تحت وصاية "الأسياد"، يعملون في الحقول والمنازل دون عقود ولا ضمانات، بينما يواجه من يحاول كسر هذا الواقع بالتهميش والملاحقة.
النشطاء الحقوقيون.. أصوات الحرية في مواجهة العصا
من رحم هذا الظلم، ولدت حركات حقوقية جريئة كـ "إيرا" (مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية)، التي جعلت من النضال السلمي ضد العبودية محوراً لرسالتها. يقودها نشطاء وطنيون مؤمنون بأن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الصمت أمام الظلم مشاركة فيه.
لكن الدولة، بدلاً من فتح قنوات الحوار معهم، اختارت الطريق الأسهل: القمع والترهيب.
ففي كل احتجاج سلمي، تقابل أصوات النشطاء بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع، ويُزجّ بالعشرات في السجون دون تهم واضحة. وفي مخافر الشرطة، يتعرض كثير من المعتقلين إلى الضرب المبرح، والإهانات العنصرية، والتعذيب النفسي والجسدي.
أفاد عدد من المعتقلين المفرج عنهم بأنهم جُردوا من ملابسهم وضُربوا حتى الإغماء، وأُجبروا على توقيع محاضر لم يقرؤوها، وتعرضوا لمنع الصلاة والأكل والنوم. إنها أساليب تعيد إلى الأذهان عهوداً مظلمة من القمع البوليسي، في وقت يفترض فيه أن تكون موريتانيا دولة قانون ومؤسسات.
بين قانون بلا تطبيق وعدالة غائبة
تتباهى الحكومة الموريتانية أمام المحافل الدولية بوجود قوانين تجرّم العبودية، بل وتصفها بأنها “جريمة ضد الإنسانية”، لكن الواقع يكشف أن هذه النصوص لم تتجاوز الورق إلى التطبيق. فعدد القضايا التي وصلت فعلاً إلى المحاكم ضئيل للغاية، وغالباً ما يُحكم فيها بأحكام رمزية، بينما يظل الضحايا في الهامش، محرومين من الإنصاف ومن أي تعويض مادي أو معنوي.
الجهات الأمنية، بدلاً من حماية الضحايا، كثيراً ما تتورط في انتهاك حقوق المدافعين عنهم. فقد سُجلت حالات عديدة لاعتداءات مباشرة على نشطاء وصحفيين أثناء تغطيتهم لتظاهرات سلمية، وتم توقيف بعضهم لمجرد الحديث عن ملف الرق أو التمييز العرقي.
صرخة في وجه الصمت
إن ما يجري في موريتانيا اليوم هو صراع بين ماضٍ يرفض أن يموت وحاضرٍ يطالب بالتحرر. فالحركات الحقوقية ليست خطراً على الدولة، بل فرصة لتصحيح مسارها. والناشطون الذين يرفعون شعار "لا عبودية بعد اليوم" لا يستحقون الزنازين، بل التكريم والاحترام.
إن استمرار تجاهل هذه القضية سيبقي موريتانيا رهينة لصورة قاتمة أمام العالم، دولة تصدر القوانين بيد وتكسر بها الكرامة باليد الأخرى.
وإن كان العالم اليوم يراقب، فالتاريخ يسجل، ولا مستقبل لأمة تُعذّب أبناءها لأنهم يطلبون الحري
بقلم: الشيخ التيجاني أحمدو يرك
صحفي متدرب بـ "وكالة أنباء لكوارب"
