عبدُ الرَّحمن النحوي يكتب: وُلدَ عبْد اللَّـه

قبلَ مائَة وسبعَة وعشرِينَ عاماً في سحرٍ مبَارَك من عامِ ألفٍ وثلاثِمائة وثمَانِية عشرَ، أشرقت الدنيَا بنسمةٍ مبَاركة غربيةٍ دريةٍ يكَاد سنَا برقهَا يذهَب بالأبصار، يقلبُ اللَّـه الليلَ والنهَار، وتبقَى تلكَ الليلَة الغرَّاءُ علامةً فارقَة في تاريخِ إفريقيا السودَاء التي ابيضت في ذلكَ الصبَاح بنور اللَّـه.
وضعتْ فتَاة ثلاثينِية تُسمَّى عائشة غلاماً مباركاً على تلة في أقاصي سين سالم بين الحَبِّ والحب، بين سوَاد الأجسَام وبيَاض القلوب، بينَ سَبحةِ وجه وسُبحَة ذكر، بينَ قلمٍ ودواة ومحرَاث، بينَ حقْل وعقل… أصبحَ الشيخ الستيني العالم المزَارع الذي يعرفُه الناس هنَالك بِالحَاج عبد اللَّـه بن محمد - وهلالُ رجب في تمَامه - أباً لإبراهِيمَ، وبذلكَ القمرِ المكتَمل ليلَة البدر رأتْ أمه قمراً تدلَّى.. وما كانَ أبوهُ امرءَ سوء، ومَا كانتْ أمه إلا حصاناً رزاناً كريمةً نقية حميدةً حامدَة، ومَا كانَ إبراهيمُ - هذا - يهودياً ولا نصرَانياً بل كانَ حنيفاً مسلماً على ملَّة إبراهيمَ، ومَا كانَ من المشرِكين.. ومَا كانَ من المشرِكين.. ومَا كانَ من المشرِكِين.
فَإِنْ يَكُ فِي الأَنَامِ لُبَابُ لُبٍّ == فَأَنْتُمْ فِيهُمُ اللُّبُّ اللُّبَابُ
ولدَ برْهامُ: براً هائماً، براً بأبيه، هائماً في نبيه، عاشَ حيَاتَه بينَ البرِّ والحب، شغلَ دهرَه ينشرُ ذكرَ أبيه، وينثرُ حبَّه لنبيه، وإن من الحبِّ لغمغمَة، وإنَّ منه لهمهمَة، وإن منهُ لناراً تأججُ في الجوَانح لا تنطفئ حتَّى تأكل نفسَها، وإنَّ منه لما تتفجَّر منهُ أنهَار المدامعِ، وتَشقق فيخرجُ منها ماء العيون وشوقُ القلوبِ، وإنَّ منه ما يكمنُ شعوراً ثم يبرز شعراً يكتبُ صاحبه بقلمِ الحَال وقلبِ المقَال:
فمن رامَ دركِي في اشتيَاق نبينَا == فقد رامَ أمراً مستحَالاً محرَّما
وبينَ الحقول الرَّاسيات، والهضَاب الشامخَات، عاشَ النَّاس بالحَب، وعاشَ الشيخُ إبراهيم بالحُب، عاشَ النّّاس بالمتْح، وعاشَ الشيخ بالمدْح، عاشَ النَّاس باليقينِ وعاشَ الشيخ بعينِ اليقين، عاشَ بربِّه، مشتغلاً به عن غيره، نافياً حقيقَة شهود سوَاه، مخلصاً منهُ بهِ إليه، موحداً الوجهَة مفرداً الوجْه، عارفاً بوحدانيَة الواحد الذي لا شريكَ لهُ ولا ممَاثل ولا مجَانس ولا مشَاكلَ ولا مضَارعَ، حتَّى قالَ مادحُه:
مصَاب من بدهرِك لم يوحدْ == ولم يدرِ المصيبَ من المصَابِ
كانَ الشيخ عبداً للـه حيثُ كان، في السنغال أو في لندنْ أو في الصين أو في الهندِ أو في المشرق وفي المغرب، وما أنسَ لا أنسَ يومَ حدَّث إبراهيم بن محمود جوپ أنه رأى ذلك الشيخ الأسودَ الشائب فرشَ عباءَته الغاليَة بين جموعِ اللينيين والماركسيين في أعظم حدائقهم في الصين ساعَة حانَ وقت صلاة الظهر، فقال: اللَّـه أكبر، صادحةً صارخةً تحركَت بهَا ورقات الأشجَار، وتمايلت بهَا غمامات الأمطَار، والنفوسُ تشدو: اللَّـه أكبَر حقاً اللَّـه أكبرُ صدقاً اللَّـه أكبرُ فرداً اللَّـه أكبرُ أحداً اللَّـه أكبر صمدا.
اللَّـه أكبرُ لا كبيرَ سواهُ == جلَّت محَامده وعزَّ ثنَاه
وحينَ سجيَ ذلكَ الجثمَان، واضطجَع بينَ جموعِ النَّاس مودعاً، لينظروا آخرَ مرة توحيداً يمشِي علَى وجهِ الأرْض، ولينظروا نعمَة اللَّـه، وليدَّبروا آيته، وليتذَكَّرَ أولو الألباب.
يومَها وقفَ إمَام النَّاسِ عليُ بن الحَسن، ليصلي علَى ذلكَ الجسَد الشريف، وليشهدَ شهادةً لخصتْ تلكَ الرحلَة تلخيصاً دقيقا لا يتخلَّف، فقال: كانَ عبد اللَّـه حقا….
ولدَ عبداً للَّـه، ومَاتَ عبداً للَّـه، وعاشَ عبداً للَّـه.
رحلة في معَارجِ الحُبِّ كبرَى == منتهَاها -وَلا انتهَاء- المنونُ
بقيَ الحب، وبقيَ الذكر، وبقِي الحمد، وبقي العَبد، وَغابت الصورَة ذاتَ سحرٍ سجِّي فيهِ الجمَال، من عامِ خمسةٍ وسبعينَ وتسعمائَة وَألف، وكَان اللَّـه ولا شيءَ معه، وما يزَال كمَا كان، وكل شيء به منه إليه، وكل الذي فوق الترَاب ترَاب.
وللَّـه الأمر من قبلُ ومن بعْد.
