سنة هجرية سعيدة

إعـــــــلان

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

روْحُ رواحٍ على ربوة المرابط محنض بابه ولد أمينْ

خميس, 2017/09/14 - 8:51ص
أحمدو بزيد

يوم كنت غض الإهاب أراهق العشرين موفور النشاط مسلوب الشواغل، قادتني أزمة من التوفيق إلى تلك الربوة، حينها كانت المسافة بعيدة بين "البتراء" والربوة...

 

يقرّب الشوق دارا وهي نازحة *** من عالج الشوق لم يستبعد الدارا

 

أشحت النظر عن بعد الشقة ووعثاء السفر حتى استوت المراكب على جودي التعلق، ورست بعد سنوات إلى ربوة شاطئ العلاقة:

 

فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قر عينا بالإياب المسافر

 

تتالت سنوات أخرى من الظعن طلبا للمطلوب ورغبة إلى المرغوب، فما برحت المطالب أول مرابعها، وما سكنت النفس إلى غير الربوة:

 

لقد علقت ميٌ بقلبي علاقة *** بطيئا على مر الشهور انحلالها

 

لم أنازع الأمر حاديات العَوْد، فأسرج الطَّرف طِرفه، واستحثه إلى أين كان يوما، ومن أين كنت بدأت...

 

ولم ينسني ميا تراخي مزارها *** وصرف الليالي مرها وانفتالها

 

وجدت الربوة تغيرت في أشياء يسيرة من مظاهرها، وما حادت عن قويم المبنى وقديم المعنى!!

 

تضاءلت المسافة كثيرا وكثيرا بين "البتراء" والربوة، واختصر الشوق متى الزمان وأين المسافة في لمحة حب محض لا شية فيه:

 

وبكى الحمام على الربى مترنما *** فأجبت ذاك الساجع المترنما

ومكثت في الـــنيابتين مـــتيما *** ولقد رضيت بأن أعيش متيما

 

رضيت بالمرابط مرابطا، ورضيت بأن أكون مريدا خادما... ورضيت بأن أعيش متيما... وأجبت الساجع، وجاوبت الهديل، وردني بكاء حمامات الربوة إلى السير في شعاب التعلق طلبا للتحقق....

 

فاستبان البئر، وأنا قريب وقريب...:

 

وأقرب ما يكون الشوق يوما *** إذا دنت الديار من الديار

 

قبل العريش الأول، "طُوبَةُ نعناع" سقيت بماء الربوة فاهتزت وربت وأنبتت، فطلع نبتها مخضرا خضلا، كما تنبت الربوة نباتها الحسن!!

 

أُلجم الطِّرف قليلا، وأرسل الطَّرف شرقا فيتراءى عبد الله ولد محمودا، في مشيته الديمانية السالبة لروافد التلكف، يغطي جل وجهه لثام، تحته كسوة امتار من قماش لم يلبسها إلا على طيب طوية ونقاء نقيبة، وكم سنوات عكفت همة المرابط عليه بعد أن مكث سنين في صريح صحبته، فجاء على قدر، فذهب وإخوته وما ونُوا في الذكر وخالص المحبة...

 

تحياته بصوت خفيض مشوب بأدبه الجبلي، وأسئلة محدودة محددة المباحث لا فضول ولا عوج ولا أمتا!!

 

ولْ الغزالي كَارَدْ يَمْ *** امْسَلَّكْ رَاصُ منْ لَغْرُورْ

يَمْشِ بَشّوْرْ اوْيَتْكَلمْ *** بَشّوْرْ اوْيَصَنَّتْ بَشّورْ

 

وبين ذلك والمنتظر، لا تعد العين مناظرها في تلك الرحاب الطاهرة، والتركيزُ كله مصروفٌ إلى مشرق الربوة لعلنا نستبين طلعته.

 

ذرني وروم المواصفات، فالطاقة دون ذلك بكثير وكثير...!! ولكن في النسبة والإضافة إعانة لمن رام شيئا من البيان...

 

تفصلك لحظات بمقدار الزمن، وسنوات بقياس الشوق عن شهوده، وحين العيان تكون الأشياء بمضامين ونعوت غير التي ألفتَ وشاهدتَ في أي مكان وعند أي شخص!!

 

سلام، وصلاة وسلام على الصادق الأمين عليه صلوات الله وسلامه، ودعاء لإكرام الأمة المحمدية، وتمتد الأيادي طلبا لنيل المنى وقضاء الأرب وحصول المبتغى....

 

يجتمع الناس على بابه *** والمورد العذب كثير الزحام

 

يخطو مرتفعا - مع سمو الذات وعلو المعنى، وروْح المكان وغياب الزمان - نحو عريش الدرس على قمة الربوة، تجلس عن يمينه مرتاح الكل:

 

راهُ سيديَا بَعْدْ رَاحْ *** وارْگَبْ واتْمَوْنَكْ لَرْوَاحْ

وَحْ امْبَدَّلْهَا عادْ بَاحْ *** عَاگَبْ ذَالِّيلُ شَاگِ

 

على ربوة ذات قرار ومعين تأوي أفئدة حداها الطلب، وباينتها الحواجب، فتية يطلبون الإيمان بربهم، وكهول قلوبهم صقيلة وجلة، ونسوة يبحثن عن الإيمان بالله تعالى، ويطلبن في رحاب المرابط الزيادة من الحسنى...

 

عن اليمين تلميذه وخادمه، وعن الطرف الثاني محمد الأمين ولد الولي إصغاء وتلق واستيعاب وحب خالص...

 

على الجانب الجنوبي جلس التلاميذ كأن على رؤوسهم الطير، قلوبهم ترافق آذانهم إلى كلامه العذب الصادق المفيد، وخلف الستار عشرات من النساء يقرأن ويسألن....

 

يجلس جلسته المعتادة، متأملا مستقيم النظر، يرشد الكلام، ويضع العبارات فوق معانيها، يحاذر القول في غير مفيد.

 

يبدأ درسه الإيماني، مختطا منهجا مباينا للمألوف في الدروس المحظرية المعتادة، قليل من التجويد متقن، وأبيات تنير القلب فترتقي بالضعاف على سلم الأقوياء المتقين، وتعين الأعرج الكسير على الخطو نحو معاقد الإيمان القلبي...

 

يشرح مستفيضا في الإبانة، مستعينا بالأمثلة، وفي قصصه عبر للسائلين، وفي تكراره آيات لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد!!

 

ربما تقطع الدرس زيارات لوافدين يجدون من الحفاوة مبتغاهم، ومن الدعاء مرامهم....

 

اگْلَيْگَمْ لَـــــــــجَيْتُ مَنْصُوفْ *** آنَ فَـــــــمْجَيَّ لُ غَرْشِ

نسْمَعْ شِ وانْرَ شِ وانْشُوفْ *** شِ اوْيُـــنَزَّلْ عـــــنِّ شِ

 

يعود للمدارسة بالتركيز الجاد والتوطئة التامة على أن الإيمان لا يتم بدون حصوله في القلب، فتؤول مآلات الكلام إلى ثلاث كلمات: الله ربنا محمد صلى الله عليه وسلم نبينا ورسولنا والإسلام ديننا.

 

يحض على تكرار تلك العبارات واستشعار حقيقتها في القلب، وصرفها من السماع والذهنية إلى انعقادها القلبي الراسخ، وفي كلمة محمد نافع السبتي في لقاء التلاميذ بعد عيد الأضحى الماضي بيان مفصل لكيفية تكوين ذلك الإيمان القلبي، سوف أنقلها لكم رجاء حصولها، وقد سماها: "تنبيهُ الظاعنِ والقاطنْ إلى جُملٍ مما يتعلق بإصلاح الظاهر والباطنْ".

 

جملةُ ما يقرؤُه الآتي هُــــــــنا *** للشـيـخ أن الله هـو ربـنـا

وأنَّ خـيـرَ خـــــلـقـــه نبــيُّـنـــا *** ودينُه الإسلامُ هو دينُـنا                                                                  

الرب هو الملك والسيد والمربي أي القائم على الشيء حتى يبلغ كماله والنبي هو البشر الموحى إليه بشرع فإن أمر بتبليغه فرسول والدين هو مجموع الأفكار والأعمال القائدة لذوي العقول الصحيحة باختيارهم المحمود إلى ما فيه صلاحهم في العاجل والآجل والرضا بالشيء القناعة والاكتفاء به فالرضا بالله ربا القناعة به وحده معبودا أي مطاعا معظما مخضوعا له والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا الاكتفاء به وحده متبوعا في طاعة الله وتعظيمه والخضوع له والرضا بالإسلام دينا اتخاذه وحده منهجا للحياة دون قيد أو شرط أو استثناء فالقيد مثل أستسلم للأوامر السهلة فقط والشرط مثل أتبع الدين إن لم يخالف العادة والاستثناء مثل أعمل الأعمال الإسلامية كلها إلا الصوم وأترك المعاصي كلها إلا الكذب .

 

والوجود وجودان وجود قديم دائم منزه عن النقائص متصف بغاية الكمال وهو وجود الله تعالى ووجود حادث كان بعد أن لم يكنْ وهو وجود ماسوى الله.                   

 

فالوجود الحادث ذو مراتب منها الأعلى ومنها الأدنى فالجماد والنبات والحيوان مع اتفاقها في الوجود و كون كل منها جسما متحيزا مشتملة أفراده على أنواع من المنافع إلا أن الجماد لا يتمتع بما يتمتع به النبات من الحياة الطبيعية ومن التغذي والنمو والإثمار وقابلية التكاثر والنبات لا يتمتع بما يتمتع به الحيوان من الحركة الإرادية ومن القوى النفسانية كالغضب والوهم والخيال والوجدان والحيوان يقصر مداه عن التسامي إلى مستوى الإنسان الذي أكرمه الله تعالى بنفخة الروح و أودعه قوة التفكير وملكة التعبير وفتح له آفاقا رحيبة من العلم و الحكمة والسمو في مدارج الكمال والوصول إلى سعادة القرب وتفيؤ ظلال النعيم في جوار الكريم فلأجل هذه المزايا كان الإنسان هو واسطة عقد المخلوقات وقطب رحى الموجودات الحادثات لكن لا تتحقق سعادته ولا تظهر مزيته وسيادته إلا بسلوك المنهج المرضي عند خالقه المنعم عليه بالإيجاد والإمداد.                                                                                                

 

وقد كان لتعريف الإنسان بهذا المنهج عدة احتمالات أحدها تلقيه من خالقه مباشرة والثاني اختيار رسل ملكية لتبليغه الرسالة المتضمنة للتعريف به على وجه المباشرة والثالث اختيار جماعة من البشر لها ميزات خاصة واستعدادات من جنس الاستعدادات الملكية وفي نفس الوقت تكون هذه الجماعة صالحة للإمامة ومحلا للأسوة في كل خطوة وفي كل مرحلة وفي كل ظرف وفي كل حال يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويجد أتباعهم وأصحابهم فيهم الأسوة الكاملة الدائمة ويجد كل فرد من أفراد النوع البشري في حياتهم ينبوعا صافيا من الهداية لا ينضب وفيضا من النور لا يغيض سواء كان الفرد أبا أو ابنا أو زوجا أو جارا أو ضيفا أو قريبا أو حاكما أو محكوما وسواء كان هذا الفرد قد عقدت له ألوية العز وجعل على رأسه إكليل الملك وتاج النصر والتمكين أو كان وحيدا غريبا قد تنكرت الأرض له وأحاط به عدوه فهجر دار مرباه ومدارج رجولته وصباه .

 

كان هذا الاحتمال الثالث هو  ما اقتضته الحكمة وقضت به الإرادة الإلهية وقد شهدت البشرية في مسيرة حياتها الطويلة مواكب كريمة من رسل الله وأنبيائه تأتي إلى أممها برسالة التوحيد وتأمرهم أمرا لا مواربة فيه بصرف جميع معاني العبودية لله وحده واستمداد ميزان الأعمال ومعيار الأخلاق من كلماته وتوجيهاته وإفراغ السيرة الشخصية والعلاقات الاجتماعية والأفكار والآراء والانطباعات والمواقف والمشاعر والمقاصد والأهداف في قالب حبه ورضاه والسير في ظلمات الحياة ومنعرجاتها وطرقها المشتبهة على ضوء من كتبه وسير أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.

 

فإذا كنا فاهمين لمعاني الربوبية و النبوة و الدين وعرفنا أنه لا وسيلة إلى معرفة أمر الرب ونهيه والوصول إلى مرضاته وحبه إلا بتسليم أزمة الروح والقلب والبصر والسمع والجوارح والكيان الإنساني كله إلى هذا الرسول الأمين والناصح المبين و تجريد الاتباع والاقتداء له وحصلت في ضمائرنا حالة صحيحة من التوجه الكامل إلى حضرته  والاستعداد القلبي الصادق لاتباع الدين الذي جاء به من عند الله فحينئذ نقول رضينا بالله ربا و بمحمد نبيا وبالإسلام دينا ويكون لهذا القول معنى ومصداقٌ .                                                                                   

 

إن من معاني  الاتباع للرسول وصولَ أنوار الاقتداء به إلى أغوار الروح وزواياها البعيدة والتخلصَ من آفات تتوارى وتتخفى وراء آكام النفس وتتخذ لها من وهادها وأوديتها  قلاعا ومخابئ تغير منها على القلب كلما حانت غفلة أو سنحت فرصة وهذه هي سوسة الدين التي تفسده ولو بعد حين فالملاحظ أن الجهد الديني كثيرا ما يفلح في إصلاح الظاهر وتعديل السلوك وتهذيب الخلق الاجتماعي ولكن مناطق من القلب تبقى خارج سلطانه وتستولي عليها صفات وطباع نفسانية لا تزال تغرس في الحياة بذور الفساد وتقف سدا منيعا في وجه تيار الصلاح والرشاد  وتستعمل هذه الصفات خير ما عند أصحابها من مواهب العقل والعلم ومزايا الهمة والصبر لأغراض النفوس النازلة بالإنسان من أوج ملَكيته إلى حضيض سبُعيته أو بَهِـيمِـيته فالتركيز الخاص الدؤوب على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أحوال القلب وأوصافه يصلح هذا الخلل الكبير ويتلافى الخطر الكامن وراءه.

 

وللتحقق بوصف الدين الذي تجمعه هذه المعاني الثلاثة سببان أحدهما داخلي وهو تحرر قوة العلم والعمل الأولى من أسر أهواء النفس وصفاتها والثانية من سلطة العادة و الرأي العام والثاني خارجي وهو المشيخة والصحبة فالأشخاص المحيطون بالإنسان وأحوالهم تؤثر فيه تأثيرا عظيما فمن هؤلاء الأشخاص من يرفعه الإنسان إلى مستوى القيادة والإمامة كالأب والعالم وغيرهما ممن يرمقهم بعين الكمال ويعتقد فيهم السمو الفكري والخلقي ومنهم القاصرون عن هذا المستوى الرفيع ولكنهم لا يقلون عن مستوى التأثير والتوجيه غير المباشر فالقسم الأول في معنى المشيخة والقسم الثاني في معنى الصحبة فإذا أتيح للمرء أن يجد فيهما الصلاح وطهارة الخلق وسلامة الفكر وصحة العلم فقد توفرت له أعظم أسباب السعادة  في الظروف المحيطة به أما إذا وجدها ناقصة أو فقدها فلا مندوحة له عن البحث والتفتيش عن مشيخة جديدة وصحبة مستأنفة يكون منهما له إسناد وعون في رحلة سعادته .

 

وليس النصب في هذا الطريق بدعا من الأمر ولا شيئا غريبا مستنكرا فما زال المهتدون يحتملونه و في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام   إيماء إلى فضل الرحلة في طلب العلم وإرشاد إلى معانٍ دقيقة من سعة دائرة العلم وأما هذه الأمة المحمدية فقد وصل الأمر بعلمائها إلى اعتبار الرحلة في طلب العلم ركنا أساسيا لابد للطالب من أدائه ومعاناته نجد أثر ذلك في تدوين الحديث الشريف وطلب الإسناد العالي وجمع الأصول والأجزاء قال العراقي في ألفية الحديث :

 

وأخلص النية في طلبكا *** وجد وابدأ بعوالي مصركا

وما يُهِمُّ ثم شُدَّ  الرَّحْـلا *** لغيره ولا تساهل حملا                                                                    

 

ونجد أثر ذلك في العلوم الإسلامية الأخرى بإثراء المعارف وتلاقح العقول وتوسيع دائرة الإطلاع  واكتساب الأخلاق والملكات وتحصيل الفوائد بالرحلة والتغرب وقد دون عدد من العلماء رحلا تهم كما فعل ابن العربي المعافري وابن رشيد الفهري والعياشي وغيرهم أما الرحلة في طلب الدين وإصلاح القلب و لقاء العباد الصالحين ومعايشتهم فحدث عنها كما تحدث عن البحر وقل فيها كما قال كثير :

 

خليلي هذا ربع عزة فاعقلا *** قلوصيكما ثم انزلا حيث حلت

 

فقد كان الدين في صدر الإسلام وعهده الأول كاللبن الخالص والتبر الصافي ثم لم يزل مع تقدم الزمان ودخول العناصر الجديدة فيه يمازجُ الماءُ لبنَهُ ويخالطُ الترابُ تبرَهُ فكان الصادقون من طلابه يطلبون عنصره الأصيل في الشعاب والأطراف وعند الآحاد والأفراد من أهله الهاربين من تيار  المدنية الغلاب و بريق الحضارة الخلاب وكانت الرحلةُ وسيلة من وسائلهم المعهودة فالرحلة في طلب الدين والعلم سنة من سنن المهتدين وما الهجرة إلا رحلة إلى جوار النبوة من أجل الفوز بشرف صحبتها وتلقي العلم الآتي بواسطتها والعلماء الصالحون هم ورثة النبي وخلفاؤه.

 

وكان من شأن الصادقين حسن التأسيس للدين وتشييد بنيانه على أساس متين بمعرفة الفرق بين الظن واليقين عقلا و الفرق بين الدعوى والحقيقة دينا وقد عاتب ابن العربي الفقيهُ الغزاليَّ لما لقيه بالشام على فراق ما كان فيه من بث العلم ونفع الناس وكان ذلك إثر رحلته الشهيرة في البحث عن السعادة واليقين بعدما سطع نجمه في سماء العالم الإسلامي وطار صيته ففارق ذلك كله وذهب يطلب قلبه الضائع فأنشده الغزالي :

 

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل *** وعدت إلى تصحيح أول منزل

 

أما الصحبة فهي الجَسْرُ الذي يعبر عليه المعنى من العقل إلى الوجدان  فتحويل الأفكار إلى أخلاق وأعمال لا يتأتى إلا بالصحبة والمخالطة ولئن كان هذا يحصل فيما يحصل من ثمرات المشيخة الصادقة إلا أنه لا يتاح لأكثر الناس إلا في ظل حياة اجتماعية يلتزم فيها المسلم بأخلاق الدين وأعماله ويقف عند حدود الشرع في ما يأتي ويذر ُيتعامل مع الصديق والشانئ والقريب والبعيد والذي يحسن به الظن والذي يسيئه به فيبقى كما هو لا تحُل حَبوتَه الظروف المتغيرة ولا الأحوال المتعاقبةُ :

 

وحالات الزمان عليك شتى *** وحالك واحدٌ في كلِّ حالِ

 

ومن المؤكد أن الذي يجمع شتات النفوس ويؤلف نفار القلوب إنما هو الدين و الدين وحده فليست هناك قوة ولا مصلحة ولا اعتبار يستطيع ذلك  إلا الدين فإذا قام اجتماعٌ بشريٌّ على أساس ديني كان من أهم مقومات وجوده واستمراره محافظته على حيوية ذلك الأساس في أهدافه ومقاصده وفي غاياته ووسائله وارتباطه الدائم بغاية اجتماعه الأصيلة وقد يعرض من الأحداث والظروف ما يستغرق الفكر ويستولي على الشعور ويأخذ الجهد والوقت فيغيب الهدف الجامعُ وتخلفه أهداف جزئية وفي هذا أعظم تهديد لاجتماع كهذا فبدلا من أن تستمر الجهود دافعة لمسيرته في نفس الاتجاه الصحيح تتعارض الأهداف الجزئية وتختلف الاتجاهات وتتنافى الجهود فيكون مئالُه التمزقَ والتفرقَ أياديَ سبا كان هذا مصير كل حركة وكل مجتمع وَحَّدَهُ هدف كلي في بداية نشأته ثم فرقته الأهداف المختلفة في أثناء سيره .

 

ثم إنه لا شك أن الوصول إلى هذه الغايات العليا لا يكون إلا بالصبر والإيمان وأن رجاء الفوز برضوان الله وجواره الدائم هو أعذب حداء يخفف نصب الطريق وأندى نسيم يهب على الروح فيمحو عنها أثر اللأواء والبأساء وقد خلقت الحياة على هيئة التغير والانتقال من حال إلى حال وتعاقب السراء والضراء ووجود العراقيل في كل طريق يريد المرء سلوكه وظهور العداوات وانعكاس الأغراض واعتراض المنغصات والمشوشات وفي كل ذلك حكم باهرة ومعان غامضة وظاهرة فالمحافظة على حيوية المعنى الإيماني لا تتأتى في حال الرخاء و الاختيار كما تتأتى في الظروف القاسية القاهرة فهذه الظروف هي أسمى تحفة للقلب المؤمن وأقوى رابط يصله بربه ويشده بحبل اليقين والسكون إليه لهذا كان الصادقون يلمحون فيها بوارق اللطف الخفي والتدبير الحفي ويقطعون في إبانها أشواطا ومراحل في معارج الصعود والكمال لا يقطعونها في إبان القبول والإقبال  ولا تكاد تجد إماما من أيمة الدين إلا وأصابه شيء من الابتلاء في هذه الطريق ولا يظهر رجل من رجال الله وعباده المخلصين في ناحية إلا وجد من يناصبه العداوة ويضع الأشواك في طريقه ويفرق عنه الناس ويذهب بك العجب كل مذهب حين ترى الناس يعتقدون في العلماء والصلحاء من الغابرين ويتبركون بهم ويتأثرون عند ذكرهم وسماع أخبارهم فإذا ساق سائق اليمن والسعد إليهم عالما صالحا من أهل زمانهم يرونه رأي العين ويكلمونه ويسعدون بصحبته ويتنفسون في مجلسه عبير القرون الأولى لا يرفعون به رأسا ولا يطيبون  بإنصافه والاعتراف بجميل أوصافه نفسا ولعمري لو بعث لهم هؤلاء الأيمة الغابرون من قبورهم وعاشوا بين ظهرانيهم لساموهم الخسف ولآذوهم أذى يقصر عنه الوصف وتالله ما كانت المعاصرة إلا ليلا يمحو ظلامه محاسن كل حُسَان  ويخفيها عن الأعين حتى لا يراها إنسان وقد أنشد الإمام الكبير فخر الدين الرازي على المنبر قول القائل :

 

المرء ما دام حيا يستهان به *** ويعظم الرزء فيه حين يفتقدُ

 

لعله روَّحَ الله روحه كان يعاني جفوة الزمان ويرى ضياع العلم وأهله في ذلك المكان و صدق من قال :

 

لا ترى عالما يحل بقوم *** فيحلوه غير دار هوان

 

هذا وقد قيض الله لكثير منهم من ينتفع بهم ويعرف لهم بعض حقهم والغالب أن ذلك لا يكون إلا بعد شدة وتمحيص وقد أشار عالم المغرب أبو علي اليوسي في بعض تقييداته إلى عظيم حق العالم وأن المتلقين عنه لا يفون بحقه ولو بلغوا ما بلغوا في خدمته ورعاية حرمته .

 

وقد من الله تعالى علينا بلقاء وصحبة العالم العامل العارف المحقق الذي أحيى رسوم العلم بعد عفائها وأعاد للطريقة الدينية ما ضاع من رونقها وصفائها ونبه العقول من غفلتها وأيقظ النفوس بعد طول إغفائها شيخنا وحجتنا الذي اتضحت به محجتنا محنض باب بن امين متع الله به الإسلام في هذه الديار أطول أمد و ورفع مقامه في الدنيا والآخرة  كما رفع السماء بلا عمد وقد أقام سنين ذوات عدد لا يبغي بحديث العقل والإيمان بدلا ولا يرضى عنه متحولا إلا ترويحا للنفوس وإحماضا وتلويحا لأصحاب الهمم وإيماضا قد استقل بأعباء هذا المجال ولم يكتف بتأليف الكتب فيه حتى ألف الرجال فإن قرر معانيه وقربها أدهش العقول وأطربها إلى أخلاق أعذب من ماء المزن وأشهى إلى النفس من الفرح بعد الحزن واستكثار لقليل ما يسدى إليه من إحسان أو يصل إليه من البر على يد إنسان جمعَ العلم والورع بعد طول فراقْ وسهُلَ حديثه وامتنعَ فأما معناه فَـرَقَّ وأما لفظُه فَراقْ إلى زهادة وعفاف وأدب وإنصاف ورفق وتلطف وحدب على الأصحاب وتعطف وتفضل يستره وكرم ليوم المعاد يدخره وغرابة في زمانه هي من غربة الحق الذي يعتقد فالناس فيه ثلاثةٌ عارف يُـعـَـظِّـمُ وعاقل يُسَلِّمُ وجاهل ينتقد نفعنا الله بصحبته ورزقنا الحظ الأوفى من موالاته ومحبته هو وسائر عباده الصالحين .                                                                

 

وفي هذا القدر كفاية وبلاغ والحمد لله أولا وآخرا.