حديث الخميس حول .. الصورة الشعرية بين المفارقة والحس

خميس, 2017/03/02 - 12:24ص
الخليفة ولد الفتى ـ أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي

تأخذ الصورة الشعرية في بعض المقاطع أشكالا ذات أبعاد وألوان وحركية فتكون مؤلفة من أجزاء مادية تتغير وتغير أمكنتها باستمرار.

 

أحيانا تكون الصورة مفارقة للمادة فلا تشاركها في أي واحدة من خصائصها وتلكم آية التصوير الحق حيث نصل بالتعبير الصوفي إلى مرحلة الاشتداد لتلتحم الأشياء بأضدادها وتذوب الفروق بين الذوات.

 

يقول الشيخ محمدن عبد الرحمن ول أبي بكر ول فتى:

 

خلعت ربقة هذا الكون عن عنقي * فصرت عبدا لرب الناس والفلق.

 

 كانت غاية هذا التحرر المطلق "خلعت ربقة هذا الكون" أن يقود إلى العبودية. "فصرت عبدا".

 

وقد تكون الصورة مفارقة نسبيا بحيث تنعدم الأشكال والألوان فتنحسر بعض خصائص المادة في بعضها.

 

قال جحدر:

أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك لنا تدان
نعم وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النهار كما علاني.

 

ببراعة وإلهام كيف صاغ من الزمان مكانا فكأنما الليل أبعاد المكان أو جدرانه "أليس الليل يجمع" واراد أن يجعل النهار سقف منزلهما الفسيح فقال: "ويعلوها النهار كما علاني" ثم استعان بوحدة الرؤية والمرئي "الهلال" على عملية الاستمكان أو تحويل الزمان إلى مكان إن صح التعبير.

 

وفي لحظة حزن شاعرية استطاع محمد ولد المختار ول أبنو ولد احميدا في رثائه لشيخه العلامة محمدن ولد حدو في صورة رائعة أن يبدع من المكان زمانا تذوب أبعاد ذلك ومساحته في آنات هذا قال:

 

إن يكن من غيابة الجب ليلي * فنهاري من مقلتي يعقوب.

لقد صهر المكان الضيق الموحش في آنات ليل مظلم ولم يشفع للنهار بياضه إذ كان مقتطفا من مقلتي يعقوب وهما رمز الحزن.

 

ولنا في شعر محمد ول أبنو الكبير لمح بديع إلى التصوير حين يقول: 

 

وورق تنوح وروض يفوح ¤ وبرق يلوح وحب جفا
 وعيس تزم وواش ينم  ¤  وطيف يلم وربع عفا

 

وظف محمد خلال البيتين الأربعة الحواس مستهلا بالسمع، فأيان تنوح الورق يكتسي الحزن الوديع جمالا ويفوح الروض شذى تتلقفه بنهم حاسة الشم وكم خطف الأبصار برق يلوح نحو بلدة طالما اختطفت عقول المرعوين ليتهدم قطب اللمس بكامله لحظة الوداع الغبية... (وعيس تزم) فيسعى الوشاة لإفساد خيط الأمل البهي سوى أن وهجا خفيا... خفيا... لا يطاله مكر أولئك الوشاة وخداعهم إنه الطيف.. (وطيف يلم) فيكتمل المشهد المريع حين يقول: (وربع عفا(

 

لم يقتصر البيتان في تصويرهما على الأبعاد الحسيه الأربعة وإنما كان اختباء الحد الزماني في الصورة باهرا إذ تنوح ويلوح ويلم، الورق والبرق والطيف ليلا ويفوح الروض نهارا لأنه يتحول من إيناس إلى صمت موحش ليلا وتزم العيس للرحيل نهارا، ويكتنف المشهد اضطراب جميل حين يزاحم الليل النهار في تشكيله مما يشي باضطراب الحالة النفسية لدى الشاعر، وتفتر أكمام الصورة عن أعذب مفارقة، فكأنما ترك حاسة الذوق لاستشعاره هذه اللحظة.

 

رحمك الله يا فقيد الصورة النابضة بالحيوية والبهاء، ألفتها في لغة راقية وأجليتها رسوما ذات ألوان في اتساق وائتلاف،

 

يا راهبا في معبد الشعر تنبه!
 

ماذا لو تأملنا قليلا خياله الشاعري الذي هو عدسته في التصوير؟

 

ماذا لو تأملنا قليلا أسلوبه في خطابه الشعري إذ يظل المتلقي أسيرا سعيدا في حدائق ذات بهجة؟

 

تتعدد العواطف شفقة واعتزازا ورحمة، حزنا وغضبا وبنفس القوة .

 

زعموا أنهم قاربوا ديوانك بالدراسة وبين أبياته من صور وأخيلة وأساليب ما يصد جيشا من الباحثين ذوي عتاد وعدة!

 

 رحم الله مثواك الطاهر لقد كنت ومازلت تكون.