قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

وسائل التواصل الاجتماعي بين انتهاكِ الخُصوصية وتهديد الأمن القومي

ثلاثاء, 2019/04/23 - 6:39م
د. أمم عبد الله

في كل التّشريعات السماوية هناك تأكيد على حماية الخصوصية، ففي كتاب للباحثة: مروة زين العابدين بن صالح، نشره مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع بالقاهرة سنة 2016 تناولت الكاتبة أهم الشرائع والقوانين التي حثّت على احترام الحصوصية بدءاً بالقرآن العظيم مروراًبالقوانين الوضعية الأوروبية، مثل الماجنا كارتا Magna Carta التي صدرت في عام 1215م في أنكلترا. إضافة للقانون الفرنسي الذي نصت المادة 9 من قانون 1970 على تكريس مبدأ حماية الحياة الخاصة.

 

وإذا رجعنا إلى الدساتير العربية نجد أنها لاتخلو من مواد تضمن الحرية الشخصية، ففي الدستور المصري مثلاً تنص المادة 57 على أن " للحياة الخاصة حرمة لا تلمس.. وللمراسلات البريدية... وللإكترونية..وغيرها من وسائل الاتصال حرمة.."

 

وقد نصت المادة 40 من الدستور السعودي على أن " المراسلات البرقية والبريدية وغيرها من وسائل الاتصال مصونة .. ولايجوز الاطلاع عليها والاستماع إليها إلا في الحالات التي يبينها النظام"

 

يبدو من خلال هذين النموذجين لدرستوريْ دولتين من أكبر الدول العربية أن ثمة موادّ بعينها نصت على احترام الخصوصية الفرديةلمواطني هذه الدول، لكن تلك الخصوصية تختلف باختلاف الأزمنة وبتطور المجتمعات، وبنوعية العلاقات التي قد تُخرج الفرد من خصوصيته لتجعله جزءاً معقداً من شبكات تعمل بطرق مختلفة لتحقيق أهداف معينة قد لاتخدم بالضرورة المصالح القومية لتلك البلدان.

 

مارست حكومات مابعد الاستقلالفي العالم العربي انتهاكاً صارخاً للخصوصية كان يتم بعيداً عن رقابة الأجهزة الذكية- التي لم تكنْ موجودةً وقتها-، حيث أثبتت مُذكراتٌلشخصيات أمنية وازنة في تلك الدول الطريقة التي كانت تُنتَهك بها خصوصيات الأفراد، سواءًتعلّق الأمربتفتيش الطرود البريدية قبل وصولها إليهم أو بتفتيش مكبّات القُمامة التي كانت بالقرب من منازلهم، فهناك ضباط استخبارات مختصون في جمع المعلومات من بقايا النّفايات، وقد نشطت هذه العناصر في سبيعنيات وثامنينيات القرن الماضي ضد أشخاص معارضين لأنظمة عربية.

 

لقد أحدثت وصائل التواصل الاجتماعي ثورةً في نقل المعلومات بين الأفراد وفي سُرعة انتشارها، وأصبح هناك إشكالٌ حقيقي للفصل بين ماهو شخصي وما هو عمومي خصوصاً بعد أن أصبحت المعلومات التي تَنتقِلُ بين الأفراد يمكن لها أن تُؤثرَ بشكل مباشر على أمن الدول، وبعد أحداث 11 من سبتمبر/  أيلول 2001 ، ظهرت حاجةٌ ماسّة إلى اختراق الخصوصية الفردية، فقد نصّت فقرة من قانون "باتريوت آكت/ Patriot Act"الذي وقّع عليه الرئيس جورج بوش الابن في  26 أكتبر/ تشرين الأول 2001 على متابعة مُكالمات الأفراد، ثم وُسِع لتمشل صلاحياتُه التّجسس على رسائل الأمريكيين دون إذن منهم، كل هذا تحت غطاء ما يُعرف بقوانين مكافحة الإرهاب التي اشتاحت معظم دول العالم.

 

كانت مُكافحة الإرهاب الغطاء الأنسبَ الذي صُوّغت من خلاله  اختراق الخصوصية في العالم الرقمي، والواضح أن نزعة اختراق الخصوصية التي اكتسحت العالَم دفعت ببعض أجهزة استخباراته إلى التّسنط على دولٍ صديقة، كما فعلت أميريكا مع رؤساء حكومات أوروبية في عام 2015 ، الأمر الذي أثار ضجةً كبيرةً في أوساط استخبارات أوروبية.

 

انتهاك الخُصوصية بهذا المعنى أصبح مربوطاً بالتّنظيمات الإهرابية، وبالأفراد النافذين في استخبارات دول بعينها، كما شمل الشركات الكبرى التي سعت لمعرفة تفاصيل بعض التنقنيات الخاصّة بشركات أخرى مناسفة لها، فبين الدول مُمثلةً في استخباراتها والشركات التي تُحرّكها مصالحُ خاصة، لم تعد مَعالِمُ الخصوصية واضحةً في جانبها المؤسساتي الذي كان من المفروض  أن يظلَ خاضعاً لقانون صارم.

 

مازاد الأمر تعقيداً هو انتشارُ الكثير من الأجهزة المتناهية الصّغر والتي لها قدراتٌ خارقة على التّصويروالتسجيل عن بعد، يُضاف إلى ذلك وُجود جيوش من الفضوليين حول العالَم الباحثين عن الشّهرةِ في التّفاصيل الخاصة لحياة الأفراد، فضلاً عن حاجة بعض أجهزة الدول إلى معلوماتٍ من هذا القبيل.

 

كلُّها عوامل اجتمعت في ظل غياب الوازع الأخلاقي والرادع القانوني، لتجعلَ من الخُصوصيةَ الفرديةَ غير واضحة المَعالِم، الأمر الذي جعل من الأمن القومي عُرضةً للكثير من الأخطار غير المتوقعة، خصوصاً وأنه لا يمكن التّهكن بما قد تُحدثه اختراقاتُ الخصوصية من أضرارعلى الخططِ والإستراتيجات التي كفلّتْدولاً جهوداً ومبالغَ طائلة...