#وديعة_حرا

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

تعـزية ومحاولة لرثاء شيخي أطفيل بن الواثق "الدَّاهْ" كما يحلو لي أن أسميه...

ثلاثاء, 2019/02/05 - 3:49م
أحمد سالم ولد سيد المختار

تقفُ اليوم المفرداتُ سكارى في بحر عرمرم من الحزن والأسى لايسعفها اللفظ ولا التركيب ولا الفائدة (ولو إفادة يحسن السكوت عليها)، يخيم الحزنُ راسما لوحةً فنيةً قوامها الدمعُ والأشجان والتذكر ...

يتلاشى اليوم العلم فهما وحفظا وروايةً ودرايةً ... والحلم سجية وأخلاقا... والكرم جبلة وتطبيقا...

تفقد ولاية أترارزة بل موريتانيا عامة  أهم شخصية علمية جمعت بين الحفظ والفهم والتدريس و النصح والاستقامة والشعر ...( فقد أخبرني رحمه الله أن سبعة أحزاب من القرآن لم يكتبها في لوح وهو علي ماعليه من حفظ القرآن رسماوضبطا وتجويدا. ) ، والابتعاد عن مشاغل الحياة ، شخصية  كرَّست نفسها لتدريس طلاب العلم من كل حدب وصوب وفضلت الانزواء والعزلة والتفرغ للأخد والتدريس  .. شخصية علمية لاتخاف في الله لومة لائِمٍ ...  ....

فقدت موريتانيا اليوم شيخي ومرشدي ، من أولاني نصحاً قويماً وتدريساً رائعا ونصيحةً كانت نبراسا أضاء حياتي المعرفية وأنارت لي دروب طلب العلم وعلقت النفس بالعلم والعلماء ....

شيخي " أطفيْل "محمدن بن محمد عبدالله بن الواثق " الدَّاهْ " كما يحلو لي أن أسميه ،  الذي استفدتُ من علمه وأخلاقه ومعاملاته ... ونهلت من معين علومه الفياض حسب جهدي وفهمي ووقتي ...

ظل يعاتبني " علي أتمحلي همتي " وظل لي سنداً معيناً علي التحصيل .. وزرع فيّ حب اللغة العربية نحواً وصرفاً وبلاغةً وعروضاً ... لا أنسى حكاياته الشعرية الرائعة بصوته الرخيم الذي تحفه الهيبة والوقار والجمال ... بعد صلاة العشاء في محظرة المراد الجميلة ...

 حاولتُ الاستفادة  - حسب المستطاع -  من علمه الغزير  برحابة صدر وعلو كعب في شتى مجالات العلم المحظري من : نحو وفقه وبلاغة ومنطق وبيان وسيرة وشعر وعروض ... يمتاز بإعمال الحفظ والفهم  والضبط ...

كان يمتاز تدريسه بالإتقان الفريد لكل فنٍّ يُدرسه وكان يطرب لتدريس اللغة العربية بشتى فروعها ( قد أخبرني رحمه الله بأنه عُلق بالنحو والشعر منذ طفولته ) ، كما يطرب لحكاية رقيق الشعر ...

كان يمتاز - رحمه الله تعالى - بأنه كلما أقرأني درسا قال لي : درستها علي العالم فلان ابن فلان في المكان كذا ...

فذات صباح من سنة 2005 كان يُدرسني درسا من لامية الأفعال والدرسُ : " بفعلل الفعل ذو التجريد أوفعلا ...."

فقال لي هذه الدرس " الكتبه " قرأتها علي العالم عبدالرحمن بن بيعدل " الدَّح " عند بئر " تندرِدَلْ " ... وذات صباح آخر قرأت عليه قول ابن مالك في ألفيته : " ومعرب الأسماء ماقد سلما

من شبه العرف كأرض وسما .."

فقال لي هذه قرأتها علي العالم محمدعالي بن نعمه العبد و نحن عند بئر لفْريوَه .....

 

وأتذكرُ وأنا أحاول هذه الليلة ( 02 - فبراير - 2019 ) جمع كلمات نثرية ومحاولة أبيات شعرية لتأبينه رحمه الله ، يوم  02 أغسطص 2005 حيثُ كنا جالسين بالمحظرة نتعاطى من الفوائد العلمية مالذَّ وطاب حتى جاء ناعِ ينعي أحد أشياخه وهو  العالم أحمدُّ بن الدِّيهْ رحمه الله فكادت عينا الشيخ تفيضان من الدمع ، فانفض المجلس وثار شوق الشيخ وهاجت أشجانه ... وفي يوم غدٍ نادى لي شخصيا - ومما يزيدني شرفاً أني كنت من خاصة الشيخ جزاه الله عني أحسن الجزاء ،  وقال لي خذ دفتراً من المحظرة وأت بها ، فأجلسني وقال اكتب بخطٍّ جميل " إگد إِسَافَرْ " :

بيتُ الهدى والعلم والعرفانِ

هُدّت أواسيه فهل من بانِ

والدين ولَّى إذ تولى من له

قد كان مثل الروح للجثمان

قد سار عنا المقتدى بفعاله

والقول هادي الحائر الحيران

أحمدُّ نجل الدِّيه لبى داعيا

من ربّه بالفوز والرضـــــــوان "

إلي آخر القصيدة ....

 

وأنا في هذه اللحظات فأبلغ ما يصدق عليَّ قول شيخي في شيخه  :

لو كان يُفدى من منيته فتى

نال الفدا بالمال والأبــــــدان

لكننا نرضى بم المولى قضى

فرضُ القضا حتمٌ علي الإنسان .

 

وهذه أبيات خطَّها الدمعُ والحزن الليلة  علي عجل محاولة لرثاء شيخي أطفيْل بن الواثق " الدَّاهْ " كما يحلو لي أن أسميه .

أبعثها - من خارج الوطن - إلي ابنيْه محمد و محمدسالم أطال الله بقاءهما ، وجعلهما خيرخلف لخير سلفٍ ورحم الشيخ برحمته الواسعة  :

 

إذا الشِّعرُ لم يَجُـــدْ رِثاءً فنادِهِ

وإن لم يَجُد وصْفاً جَميلاً فعَادِهِ

وحَدِّثْه عن جُرحٍ وفرطٍ منَ الأسَى

وجفْنٍ يذوقُ السّهْدَ بعدَ رُقَادِهِ

وحُزنٍ وأَشْجَانٍ وشَوقٍ ولوعَةٍ

ولَيْلٍ طَوِيلٍ فِي امْتدَاد عنــادِهِ

هو الموت يختار الرجال وينتَقِى

من القَومِ أخْيَاراً لسَرجِ جَـوادِهِ

هُوَ " الدَّاهُ " نَجْلُ الوَاثِقِ العَلَمُ الذي

أضَاءَ طَريقَ العلْمِ رغم سَوادِهِ

فَأكرِمْ بِه في العلم والحلم والتُّقَى

وأكرِمْ به في الشعر يوم حصَــادِهِ

وأكرِمْ به حِفْظاً وفَهْماً وسُــــؤدَداً

وأكرِمْ به في حِبرِه ومِـــــــــدَادِه

وأكرِمْ به في النَّائِبَـاتِ تَـجَـلُّــــداً

وأكرِمْ به في نُصـــــحِه و ودادِهِ

وأكرِمْ به فــــــتًى كريماً مُحَبَّبـا

خَلوقاً بَشُوشاً مُخلصاً فِي اعْتِقَادِهِ

فَواللَّهِ لم يغفَلْ عن الذِّكر لا وعَنْ

عِبادتِه كَلاَّ وَلاَ عَن مَــعـــــــــادِهِ

عَزائِي عَلَي نأيٍ إليْكُمْ بَعثتُــــــه

وقَد يَبعَثُ المُشتَاقُ رغم بِعَـــادِهِ

عَزائيَّ للمِحْرابِ والفِقْهِ واللُّغَـى

ونَفْسي وكُلِّ قاطِنٍ بِمُـــــــرَادِهِ

بفَرْعيْهِ قَدْ نَسْلُوا وَبِالآلِ حَوْلهُم

فكلٌّ رَوَى مِنْ زادِه وعَتَـــــــادِهِ

عَلَي قَبْرِهِ جَادَ الإلهُ  بِرحْمَـــــــةٍ

ويَسْقِيهِ مِن عَفـوٍ وطِيبِ شِهَادِهِ

صَلاةٌ عَلَي خيْر الأنامِ مُحمـــــدٍ

مِن اللَّهِ نَحْـوَ سَرْحِه وقَتَــــــادِهِ

 

عزائي لموريتانيا ومنها إلي ولاية أترارزة ومنهما إلي تگند ومن الثلاث إلي محظرة المراد الجميلة ...

 

كان بودي لو أطلت فالحديث ذو شجونٍ ... ولكن خوف الإطالة سألجم عنان قلمي ...

 

بلِّغوا - بالله عليكم - تحياتي وسلامي وعزائي لمحظرة المراد الجميلة ، وخبِّروها أن النأي قد حال بيننا ، و والله لولا النأي لكنت أول القوم ...

 

كامل العــــــزاء