قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

إعلان معوض

باحث يتناول تجربة المختار بن حامدن مع ارتجال الشعر

سبت, 2018/06/16 - 10:52ص

كان المختار بن حامدن رحمه قد قال قصيدته الهائية التي يمدح بها أهل المبارك لما زارهم عند شهلات وقد أنشدها بين يدي صديقه العالم الفذ أبي العلماء الأفذاذ محمد عالي بن عدود.

 

 

وذكر لي مدير المعهد الموريتاني للبحث العلمي السابق عبد الله ولد بابكر نقلا عن أخيه محمد ولد بابكر، وكان من خريجي محظرة أهل عدود، أن المختار لما قال البيت:

 

يا أنتِ يا انتَ أنتم ۞ انتنَّ يا هِيَ يَا هُو 
رِديهِ رِدْهُ رِدُوهُ ۞ وَرِدْنَهُ وَرِدَاهُ

قال محمد عالي بن عدود "إيْ!"، متعجبا كيف استعمل المختار صيغة نداء ضمير الغائب، وهو الخبير في النحو وقواعده ويعرف أن النحاة نصوا على عدم جواز نداء ضميري الحضور والغيبة، فاستدرك المختار مباشرة قائلا:

وَمُضْمَرُ الغَيْبِ عِنْدِي ۞ لَحْنٌ خَفِيفٌ نِدَاهُ

وتابع إنشاد القصيدة ولم يكن هذا البيت فيها أصلا وإنما اقتضاه استغراب محمد عالي. وكان محمد عالي يقول إن المعطَّلَ في تقييد ارتجال المختار هو الكاتب وليس المختار، "اللي لاهِي يحصرْ بعد الا ذاك اللي يكتب شعر المختار ماهو المختار"؛ أي أن ارتجال المختار للشعر وقوله له على البديهة أسرع من كتابة من يملَى عليه شعره.

ومن ارتجال المختار بن حامدن رحمه الله تعالى للشعر أنه كان مرة في حضرة الشيخ إبراهيم انياص بكولخ بالسنغال، وكان أحد الحضور يريد إحراج المختار، فقال موجها كلامه للشيخ إبراهيم: إن المختار بن حامدن يمكنه أن يأخذ قلما وينشئ الشعر ارتجالا ويكتب ما ارتجله دون رفع القلم عن الورقة ودون التفكير فيما ينشئ، فكأن ما يرتجله محفوظا لديه.

فأمر الشيخ إبراهيم على الفور بإحضار ورقة وقلم وقال للمختار صف لنا ارتجالا قلنسوة أبي بكر انياص التي على رأسه، وأبو بكر انياص أحد أفراد أسرة الشيخ وقد عاد لتوه من الحج وعلى رأسه قلنسوة زينتها الألوان الزاهية.

 

فأخذ المختار الورقة والقلم وكتب فورا دون أن يتوفق أثناء الكتابة ومن رآه يظنه يكتب شعرا كان في ذاكرته، فكتب مدونا:

قَلَنْسُوَةُ الشيخِ الهمامِ أبي بكر ۞ تُهيجُ ذَا الفكر البليد إلى الفكرِ
فيذكرُ بيْتًا قيلَ في الشعر سابقًا ۞ وهو هنا أولى لعمريَّ بالذكر
"كأنَّ بهَا الحَوْذَانَ بالسُّحْبِ شامِتًا ۞ فما انتحبتْ إلا انثنَى باسمَ الثَّغرٍ"
فمِنْ لُمَعٍ حُمْرٍ وصُفرٍ فَواقعٍ ۞ وبيضٍ يَعاليلٍ وناضرةٍ خضرِ

وكان من حظي في ربيع سنة 1992 أن راجعت على المؤرخ الأديب الفقيه المختار بن حامدن نصوصا من ديوانه الشعري، ومن ذلك قصيدته هذه التي في مدح أهل المبارك والتي هي من بحر المجتث ومطلعها:

فراتُ زمزمَ ها هو ۞ أما عجِبْتِ دِيَّاهُ

ودياه: لقب والدته عائشة بنت المختار بن بيدحْ دفينة آمنيگير.

ومما ذكر لي المختار رحمه الله، وأنا أراجع عليه هذا النص، أن الشاعر الفقيه المدرس محنض أشفغَ بن الدَّاه، وكان أحد أساتذة معهد أبي تلميت، كان إذا درَّس باب الضمائر في الألفية يجعل هذه القصيدة مثالا للشرح والتوضيح لما تواتر فيها من ضمائر خصوصا عند قوله:

يا أنتِ يا انتَ أنتم ۞ انتنَّ يا هِيَ يَا هُو 
رِديهِ رِدْهُ رِدُوهُ ۞ وَرِدْنَهُ وَرِدَاهُ
وَمُضْمَرُ الغَيْبِ عِنْدِي ۞ لَحْنٌ خَفِيفٌ نِدَاهُ

وعلى ذكر بحر المجتث وهو من بحور العروض الخليلي القصيرة فقد ذكر القاضي أحمد شيخنا ولد امات أنه كان مع صديقين سنة 1972 وكانوا يدرسون على الشيخ محمد سالم بن عدود ثلاث ألفيات: الصديقان يدرسان ألفية العراقي في الحديث وألفية السيوطي في البلاغة، والقاضي أحمد شيخنا يدرس ألفية ابن مالك في النحو.

 

وفي أحد المساءات لم يجدوا الشيخ محمد سالم لعارض طرأ له ورأوا المختار بن حامدن أمام منزله غرب دار الثقافة، فأبدوا رغبتهم في الدرس، فقال لصاحب ألفية العراقي: "أنت ما عندي لك شي"، ولصاحب ألفية السيوطي "أنت لاهي انگريك حگ حگ"، وقال له وهو الذي يدرس ألفية ابن مالك: "أنت لاهي اندمج امعاك".

 

قال أحمد شيخنا وكنت أدرس المنصوبات وقد بلغت شاهد "كي" المشهور في بيتي ابن قيس الرقيات:

ليتني ألقى رقية في ۞ خلوةٍ من غير ما أنس
كي لتقضيني رقية ما ۞ وعدتني غير مختلس

فسألت المختار عن بحرهما، فأطرق مليا وقال: "ما نعرف، ألا من هاذو لبحيرات اسغار، اعييتْ نوزن فيه يغير ما نعرف اسمُو".

ومع انتهاء الدرس خاطبهم المختار قائلا: هذا الجالس هناك عن جنوبنا مع تلك الجماعة گراي ولد أحمد يوره فلنذهب إليه ونصلِّ معه المغرب. فلما وصلنا گراي اقترب منه المختار وقال: له "گلت بيتيْن وجاحدهم"، قال القاضي أحمد شيخنا فاقتربت من الشيخين وجعلت منكبي قريبا منهما لعلي أسمع ما يقولان، فقال المختار:

ماويُّ هاذي التي قد شُدِّدَتْ ياها ۞ قالت لنا الحال إياكم وإياها
يا ليتَ ماويَّ إن جدَّ المسيرُ بها ۞ ...

ثم جعل المختار فمه في أذن گراي وقال الشطر الأخير، فلم أسمع الشطر وضاع إلى الآن كما يقول القاضي أحمد شيخنا. ويذكر انه قص على الشيخ عدود ما جرى له مع المختار فقال له: أهل إلاه عيب عندهم معرفة العروض، وهذان البيتان من بحر المديد.

وهذه هي القصيدة التي قال المختار في مدح أهل المبارك وقد قال فيهم شعرا كثيرا وجميلا غيرها:

فراتُ زمزمَ ها هو ۞ أما عجِبْتِ دِيَّاهُ
ما كنتُ أحجوهُ قِدْمًا ۞ تكونُ فيهِ المِيَاهُ
بيْنَا يَصُدُّ صَدَاهُ ۞ قفرًا ويعْدُو عِدَاهُ
يَجرُّ كلُّ مُسِيمٍ ۞ عنْ نُصْبِهِ وحُدَاهُ
إذْ هو عَذْبٌ رِوًى لاَ ۞ إلهَ إلا اللهُ
يُزاحمُ الخلقَ فيهِ ۞ يُغنيهِ عمّا سِواهُ
في كل قلبٍ هواهُ ۞ وحبُّهُ ورضاهُ
يا أنتِ يا انتَ أنتم ۞ انتنَّ يا هِيَ يَا هُو 
رِديهِ رِدْهُ رِدُوهُ ۞ وَرِدْنَهُ وَرِدَاهُ
وَمُضْمَرُ الغَيْبِ عِنْدِي ۞ لَحْنٌ خَفِيفٌ نِدَاهُ
مَنْ جاءَ بالوِرْدِ ماهُو ۞ يبْغي بزمزَمَ مَاهُ
فشاؤُهُ لا يُحَلَّى ۞ حتَّى يُحَلَّ رِشَاهُ
والضيفُ إن جاء يَمْشِي ۞ قد كَلَّ مِمَّا مَشَاهُ
لاقَاه بَسْطٌ وبِسْطٌ۞حينًا وتلجٌ وشَاهُ
ولا يُصلِّي عِشَاهُ ۞ حتَّى يُحَلَّى عَشَاهُ
وإن عَشَا لسناهُ ۞ من جهلهِ أعشاهُ
فقلبُهُ سوفَ يمشِي ۞ غِشَاؤُهُ وعَشَاهُ
ويؤْتَ خشيَةَ ربٍّ ۞ أحقُّ أن تخْشَاهُ
والمدح فيه يبارِي ۞ إنشَادَهُ إنْشَاهُ

 

الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير 

باحث موريتاني مقيم في قطر