قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

عبد الله.. كبرياء حطمته الدموع (قصص من الحياة2)

اثنين, 2016/08/08 - 4:48م

لم تشأ عجلة الزمن الدوار إلا أن تطحن كبرياء عبد الله وترمي به فتات رجل ضرسته الأيام، ولم تترك منه إلا صبابة إنسان لو صور الحزن والألم رجلا لكان إياه، ولوتجسدت الفواجع في صورة آدمي لكانت صورته أصدق تعبير عن ذلك.

 

كان غنيا فافتقر وقلت ذات يده، لتمتد تارة بالسؤال وتارة لاستقبال أعطيات المشفقين والمحسنين، كان شابا جلدا قويا فانتهى به المطاف عظاما بالية وبقية شيخ محدودب، يحمله الزمن كلا على ظهره، والأرض حملا لا تعبأ بأحزانه.

 

عضه الدهر بنابه وقضمته أضراس الحياة، فتركته بقية إنسان تتراماه ضفاف الجراح وتتلقفه أودية الأسى، يزعم أن الموت أرحم مما هو فيه، ولا يزال الموت يمنح الحياة فرصة كثيرة لتأديبه على ’’هجران أم حنون’’.

 

لم تشأ الأقدار أن  تعفي (عبد الله) من تذوق الكأس المرة التي جرعها أمه، وأن يلف كبده الجريج على ذات الجمرات التي كوى بها قلب أمه قبل أكثر من خمسين سنة.. لا لشيء إلا أنها رضيت بزوج كتبت له ’’ تابوهات المجتمع’’ أن يقبع في درك سافل من سلم من المجتمع الشنقيطي العظيم.

 

ولم يجد الطفل الذي يزم بأنفه الشامخ انتسابا إلى أرومة طيبة ومحتد أصيل بدا من مواجهة أمه بلغة رجولية قاسية ’’إذا أدخلت إلى أسرتنا ذلك الزناكي فسأترك لك الدنيا’’.

 

ولم تكن الأم تظن أن سَورة الغضب الطفولية ستتحول إلى قرار فاعل، وأن وحيدها سيخرج من تلال مكطع لحجار التي عرفته وعرفها وأجشهت له ربوعها كما أجهش قيس بن الملوح للتوباد حين رآه، خرج مغاضبا أمه، بعد أن داست شرف الأسرة العريقة بذلك الزوج القابع في درك أسفل.

 

يمم شطر إفريقيا، قبلة النازح وكعبة الباحث عن مال وفير أو مستقبل زاهر، ولئن شغله ما شغل الناس من السعي في مناكب الأرض بحثا عن رزق مطلوب، فقد كان همه الأول أن يعيش في أرض لا يتحدث أهلها أن ’’أم عبد الله زوج لرجل وضيع النسب’’.

 

كان الأمر بالنسبة له عارا كبيرا، ولم تكن عشرون سنة أو تزيد كفيلة بغسله من نفس شاب يمور وجدانه بقيم الشكيمة والأصالة والحسب المجيد.

 

يمم إفريقيا الكبيرة، وتلقفته مدن وقرى إفريقيا الغربية، قبل أن تحتضنه شوارع ليبيريا، يموج بين آلاف الأسماء الموريتانية التي تبحث عن الماس أو ’’الحجر’’ .. عاش زمنا طويلا يعود أياما بخفي حنين، ويجد في يوم أو يومين غنية إلى حين، فلم يكن مؤشر الأرزاق إلا خطا متموجا كحياة الإنسان.

 

عشرون سنة أو تزيد جعلته منه إنسانا إفريقي اللسان والهوى، ليجد نفسه بعد حين رب أسرة، وأبا لبنت وصهرا لأسرة إفريقية.. وتتواصل الحياة، ويظل طيف أمه الحنون يلح عليه، وضميره ’’الشهم’’ يخزه بين الحين والآخر.

 

بين الفينة والأخرى، كان يتحسس أخبار ’’مكطع لحجار’’ يسأل عن أمه وأقاربه، دون أن يدفعه شيء من ذلك إلى كسر ’’صنم الهجران’’ البغيض الذي يحول بينه وبين أمه، فلايزال شيطان الغضب البائس يضخم في عينه ’’جرم أمه’’ يوم تزوجت رجلا "وضيع النسب".

 

ثم جاء خبر سيئ، عن سقوط أمه نهبا لمرض فتاك .. فكانت الصدمة أكبر من شكيمة الإصرار العنيد، وتهاوت حلقة أو حلقتان من كبريائه الهزيل، ولاحت له بارقة للتوبة والأوبة إلى أمه.

 

عاد إلى الأم الحنون، فإذا هي شيخة تناولها يد الزمان بعسف شديد، ويشتد فرح الأم بعودة غائبها المتكبر، فإذا هو لها الشفاء من السقم، والعافية بعد البلاء، ثم  يمر شهر أو شهران وتستعيد الأم عافيتها فتسقي شجيرات الحياة بأمل كبير في أن لا يغادرها ابنها من جديد.

 

غير أن شيطان الكبرياء يثور من جديد في نفس ’’عبد الله’’ فيقرر العودة إلى ’’ليبيريا’’ ويترك الأم وأملها الخائب وجرحها الدافق نهبا للأيام وعرضة للزمن، ويحزم حقائب السفر ويعود إلى ’’ليبيريا’’ الكبيرة.

 

غير أن ليبيريا التي تنام على بحر من الماس، بدأت تدخل عالم الحروب الأهلية، وتشتد الأزمة، ويعود الرجل إلى موريتانيا، مخلفا وراءه زوجا ليبيرية وابنتها الشابة.

 

عاد – كما يحدث عن نفسه – رجلا نصف فقير،  يحمل معه بقية من مال، ليجد أمه قد غادرت الدنيا، ربما لم يأسف كثيرا لذلك الفراق، فقد كتب عليها الفراق منذ أكثر من ثلاثين سنة.

 

ربما سامحته قبل أن تغادر الدنيا، لكن الأكيد أنها رحلت بحزن عميق، وجرح نازف.

 

على خطى الحزن..

عاد عبد الله  وتزوج امرأة من ’’علية القوم’’ من أبناء عمومته الكرام، غير أن طيف ابنته وزوجه الأولى لايزال يلح على وجدانه، ثم تأتي أخبار غير سارة، أنه أصبح جدا دون أن يشعر، فقد قرر ضابط ليبيري مغرور أن يتزوج الفتاة، وأمام رفض أمها لذلك الطلب الهزيل، هدد الضابط بقطع يدي الفتاة قبل قتلها إن لم تزف إليه، وأخيرا قرر موريتانيون ’’خائفون’’ تزويج الفتاة من الضابط المغرور، لتعود مطلقة بعد أسبوع واحد تحمل بين أحشائها شبح إنسان سيكون فيما بعد طفلة بريئة.

 

وأمام الصدمة لم يجد عبد الله بدا من السفر من جديد، ليعود بابنتيه، وعاد بالشابة السمراء وابنتها الصغيرة، لكن زوجه ستكون لهذه الوجوه الجديدة بالمرصاد، فتملأ البيت الصغير ضجيجا وصراخا، وتنجح بقوة في تصدير مشكلة يومية تحول البيت إلى حجيم لا يطاق.

 

وأخيرا قررت الفتاة - حين سفر قريب لأبيها – أن تعود إلى حيث أتت، فلا تزال إفريقيا قبلة الهارب والغاضب، وتشعل أولى جمرات الحزن في قلب عبد الله الذي لم يعد فتى قويا، بل عاد رجلا كهلا، فقيرا.. فرحت الزوجة بهروب البنت الغاضبة ورأت فيه مصداقا لكل ما اتهمتها به طيلة أشهر عديدة، لكنها كانت على موعد مع طلاق بائن،فعبد الله بات مقتنعا أن زوجته هي من طرد ابنته من منزله.

 

جن جنون الرجل، فلا مال سيساعده على تتبع إثر البنت الهاربة، فلعها قصت آثار قدميه قبل أكثر من ثلاثين سنة، وهو يغادر أمه مغاضبا ثائرا، وأخيرا جمع من العطايا والديون مبلغا معتبرا للسفر، بعد أن بلغه أن ابنته تبيع ’’ملاحف البيظان’’ في غامبيا.

 

خرج الرجل مسافرا، وفي السنغال حيث قرر أن يعبر إلى غامبيا وجد لصا موريتانيا احتال عليه وسلبه كل نقوده، ليعود بخفي حنين.

 

عاد رجلا متهالكا لا مال ولا جاه، لا الأهل يحنون عليه، ولا الزمن أبقى من نخوته أي شيء، ولم تعد ’’خيمة الأب’’ تسقي من ظمأ ولا تطعم من جوع.

 

ثم يلح عليه الأسى فلا يجد غير "حرطانية" تبيع الكسكس نضيجا ومجففا، فتقبل به زوجا، يزيد أعباء أسرتها المكونة من أبناء زوج سابق.

 

يحيى عبد الله في هذا الجو الجديد، يتراقص حوله أبناء زوجته، سمرا جعد الرؤوس، لاينتمون إلى الطبقة التي حبس نفسه فيها.

 

تتقاذفه الأحزان تارة، والسلوى تارات أخرى، فقد أدمن الدموع وقرت نفسه بالألم، ويكفيه اليوم لقمة وفراش صغير في انتظار الأجل.

 

ربما يكون عبد الله قد رحل عن عالم الدنيا، منذ سنوات قليلة، لكن حياته رسالة لكل مفرط في حق والديه..وخصوصا أمه ...لا تعذب قلب أمك.

وكالة أنباء لكوارب ـ القسم الثقافي