قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

الشعر الحساني في المذرذرة

سبت, 2016/07/02 - 10:53ص
الأديب أحمدو ولد أجريفين

لا تسعف المراجع الأدبية عن الشعر الحساني في موريتانيا عموما وفي المذرذرة خصوصا بكبير شيء يمكن الاعتماد عليه لفرز هذا الشعر ومعرفة تموقع هذه المقاطعة بين أخواتها.

 

من مقاطعات الوطن على سلم الرقي والنضج في هذا الفن الأدبي الوطني الأصيل.

 

إلا أن أي باحث موضوعي يتتبع تاريخ الأدب الحساني في موريتانيا سيجد نفسه مرغما على الخروج بخلاصة حتمية مفادها أنه لمقاطعة المذرذرة أن تفخر بأنها الحاضنة الرئيسة للشعر الحساني في هذه البلاد عبر عصورها المختلفة دون منازع، رغم المنافسة الشرسة من بعض مقاطعات الوطن الأخرى ذات الباع الطويل في هذا الميدان، حتى أصبحت كعبة لهذا الشعر يحج إليها أقطابه ومريدوه وتتفتق في أكنافها أزهاره ووروده.

 

ولقائل أن يقول إن هذا مجرد حكم اعتباطي قد لا يكون وراءه سوى العاطفة والتعصب الجهوي الأعمى، فما هي إذن مسوغات هذا الحكم الكبير على كل موريتانيا بلاد المليون شاعر كما يحلو للبعض أن يسميها؟ وللإجابة على هذا التساؤل المشروع سألقي نظرتين خاطفتين على الشعر الحساني في هذا المقاطعة، النظرة الأولى أفقية لأخذ صورة عن انتشاره وكمه، والثانية عمودية لأخذ فكرة عن عمقه وكيفه على مستوى هذه المقاطعة.

 

أفقيا:

 

إن المتابع للحقل الثقافي في المذرذرة المعايش لساكنتها يلاحظ بوضوح أن أهم القواسم الثقافية المشتركة بين مجتمعاتها هو التعاطي مع الشعر الحساني أو "لغن" كما يسمونه، ذلك أن هذه المجتمعات باختلاف فئاتها ومجموعاتها عربا وزوايا وغير ذلك تتعاطى مع هذا الفن الأدبي باعتباره أهم شروط ومقومات الفتوة التي يتمنى أي فتى أن يأخذ بطرف منها، لذلك يندر أن تجد أسرة ليس من بين أفرادها من يجيد قرض الشعر الحساني كما لا تجد مجموعة إلا وينتمي إليها بعض القمم الأدبية الشامخة والمعروفة في هذا النمط الشعري على المستوى الوطني، ناهيك عن وجود أسر معروفة على طول البلاد وعرضها بالتميز بهذا الفن الأدبي كأهل اجريفين وأهل هدار وأهل مانو ... بل لا أبالغ حين أقول إن هناك قبائل اشتهرت به على نحو كبير، وهكذا يتضح من هذه النظرة الخاطفة أن الشعر الحساني ينتشر أفقيا في هذه المقاطعة إلى مدى لا يصل إليه في غيرها مما جعلها قبلة لكل شاعر (امغني) يريد أن يزيد من علو كعبه في هذا الفن الأدبي أو أن يضع قدراته فيه على المحك، حتى أصبحت أكاديمية افتراضية للشعر الحساني في موريتانيا، وما حجة الشاعر الكبير والأديب القدير الشيخ ولد مكي إليها وإقامته بين ربوعها بضع سنين وكذلك قدوم الشاعر والعالم المعروف "لعميم" العلوي إليها ومناظرته مع امحمد ولد هدار إلا دليل ساطع على ما ذهبنا إليه.

 

عموديا:

 

وعلى هذا المحور سأحاول الوقوف على أسباب التميز النوعي لهذه المقاطعة في الشعر الحساني، وبالرجوع إلى تاريخ هذه المقاطعة الأدبي نجد أنها كعاصمة لإمارة الترارزة ظلت أهم وجهة لشعراء الإمارة الأمر الذي فتح باب المنافسة على مصراعيه أمام الشعراء في بيئة ثقافية أقل ما يقال عنها إنها تتنفس شعرا، وهكذا انعقدت مباراة غير معلنة بين الشعراء في كل الأغراض الأدبية، فتفتقت قرائحهم عن نفائس وأوابد عز لها النظير ولا تزال خالدة آبدة على مر العصور في النسيب والغزل والمدح والتوحيد بل وفي جميع الأغراض، وهكذا أنجبت هذه المقاطعة العريقة قامات سامقة في عالم "الـﮕاف" وفضاء "الطلعة" أمثال محمد ولد أحمد يوره، محمد ولد هدار، محمد ولد الشويخ، محمد ولد أبنو ... والقائمة تطول، هذا قديما.

 

وأما حديثا فالقائمة أطول وأكتفي بالشاعر الشاب محمد ولد أحمد ديه الذي توجه اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين السنة الماضية على شعراء موريتانيا وذلك في موسمه الأدبي السنوي في تظاهرة وطنية مشهودة، رغم حداثة سنه وقصر تجربته، مما يدلل على مدى تعمق هذا الشعر في هذه المقاطعة وتميزها فيه، أما الأسماء الكبيرة من شعراء الأسر السابقة والمجموعات المكونة لساكنة هذه المقاطعة فهي كثيرة ومعروفة، ومن أمثلتها الشاعر القدير والأديب الكبير اعلي ولد أحمد الميداح المعروف شهرة بالرجالة، والذي كرمه هذا الإتحاد قبل أسبوع في مهرجانه الأدبي لهذه السنة، تقديرا لعطائه الأدبي المتميز، أما من لم ينالوا بعد نصيبهم من التكريم رغم جدارتهم بذلك فهم الأغلبية الساحقة ومن أمثلتهم الشاعر الأديب المزدوج أحمدو ولد باب ولد أبنو، والشاعر الأديب أحمدو ولد حمدي ولد اجريفين، والشاعر الموهوب عبيدا ولد ابراهيم، والشاعر العبقري أحمدو ولد الداه ... الخ، والمقام هنا لا يتسع لإعطاء أمثلة على النصوص الرائعة التي دبجها هؤلاء الشعراء لتبقى أنشودة للزمن.

 

ومما تقدم يتضح أن هذه المقاطعة هي عاصمة الأدب الحساني بكمه ونوعه بامتياز على المستوى الوطني دون أن يقلل ذاك من شأن أي مقاطعة أو حتى قرية أخرى على امتداد التراب الوطني في هذا المضمار الذي إن بزّت فيه غيرها فقد يسبقها غيرها في مضامير أخرى.

 

وأذكر هنا قصة طريفة وذات دلالة عميقة في هذا الإطار تروى عن عميد الأدب الشعبي محمدن ولد سيد إبراهيم رحمه الله، يقول فيها إن لكل جهة من الوطن مجالا تتفوق فيه على غيرها من الجهات رغم ما قد يكون لتلك الجهات من نصيب في هذا المجال، فمثلا يوجد التمر في أغلب جهات الوطن لكن تمر آدرار لا يدانيه أي تمر آخر، وفي أغلب الجهات أيضا توجد الأغنام ولكن أكباش الحوض لا نطير  لها في بقية الوطن، كما يوجد "لغن" في كثير من جهات الوطن إلا أن "اغن" الترارزة - وهذا هو محل الشاهد- لا ينافسه غيره ... وهكذا، والترارزة تاريخيا وثقافيا كما هو معروف عاصمتها المذرذرة.

 

 

أحمدو ولد اجريفين