إعلان

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

تحقيق| الصمغ العربي، أو (العلك) دواء، وغذاء، ومصدر ثراء.. (صور)

سبت, 2016/05/14 - 9:03ص
يباع "العلك" أمام مركز روصو الصحي (لكوارب)

كان يوما ما وصفة دواء سحرية ومادة تضاهي في أهميتها وقيمتها الذهب، بل جميع المعادن النفيسة، كان جالبا للمال ومحط أنظار الامبراطوريات، ومع ذالك كان مصدرا للرزق وبلسما من الكثير من الأمراض، وعمودا فقريا للكثير من الصناعات، والمركبات الكيماوية ذات الفوائد المتعددة..

 

بهي ساد أقوام كثر وثري آخرون، ومن أجله نشبت نزاعات، وباسمه سطا وطغى سادة وأمراء، امتلأت بهي الشواطئ، وشيدت من أجل الحصول عليه عديد  الموانئ على الشاطئ لكدالي: (اسم كان شائعا قبل الاستقلال)، شن الأوربيون من أجله حروبا على مواطني  البلاد، وعقدوا اتفاقيات، وقدموا هدايا، ودفعوا أتوات..

 

راجت تجارته خلال القرون الوسطى والجلود، والرقيق على شواطئ البلاد، تقاتلت بعض الشركات من أجل احتكار تجارته  وجلبه إلى ما وراء المحيطات، حدثت غارات على مواقع إنتاجه، لتأديب باعته وإرغامهم على بيعه لجهات وشركات تجارية دون أخرى، عملت المستحيل للإستئثار بهي، واحتكار شرائه من أجل ازدهار المصانع في بلدانها ..

 

اضمحل إنتاجه وغاب، وكاد أن يختفي أي ذكر له بعد الاستقلال بسبب عوامل أهمها خروجه من معظم الصناعات، وتطور التكنلوجبا، واستبداله ببعض المركبات إضافة إلى عوامل الجفاف واندثار شجره المعروف بالقتاد أو (أوروار)  محليا ..

 

ظلت هذه المادة ذات الشهرة، والانتشار الواسعين في البلاد موضع الحكايات الغريبة والعجيبة فيما يخص تداولها، وفوائدها المتعدد لدرجة أنها أصبحت أقرب ما تكون إلى الأساطير خاصة في مجال التداوي، وغيره من غرائب الأمور وعجائبها، حيث تحكي بعض الروايات أن بداية اكتشاف أهميته بالنسبة للأوربيين، كان على يد أحد الموريتانيين ممن تم أسرهم، أو إختطافهم على يد سفينة بحرية كانت راسية على الشواطئ، حينما كانت  تجوب بهم عباب مياه بحر الظلمات في طريقها إلى القارة العجوز، عندما أصيب أحد ربابنتها بمرض ألم بهي فجأة في بطنه، فاقترح عليه صاحبنا، أن يعطيه بعض الصمغ الذي كان يحتفظ بهي في جيبه ولما استعمل حفنة  العلك تلك تماثل للشفاء بعد ساعات، قدم قبطان السفينة إلى الأسير أو الراكب على اختلاف في ذالك حسب ما تذكر الروايات المتداولة  وسأله عن  طبيعة هذه المادة الدواء فأراه العلك فكانت تلك بداية اهتمام الأوربيين بهذه المادة حسب الرواية المحلية..

 

بيع بأسعار خيالية في العواصم العالمية واشتهر بفعاليته العلاجية، قال عنه أحد الأطباء الغربيين لولى العلك لبادت البشرية، ويقال أن الطبيب أوفى كان يرى في العلك المادة الأولى لتداوي وكان يصنع منه خلطات لجميع الأمراض تقريبا، فسأله أحدهم  يوما لماذا التركيز على العلك في جميع أدويتك، فقال: لولا بعض الأمراض التي تصيب بعض أعضاء الجسم الأخرى غير المعدة لقلت إن جميع الدواء ينحصر في العلك والعلك وحده..

 

مثلت حاضرة (تكشكمب) الحالية التي تبعد حوالي 13 كلمترا عن مدينة لكوارب في منطقة تعرف بلخشومة أحد أهم مراكز تجميعه وبيعه وشحنه، كان باعته يعرفون قديما (بآما ليص) كلمة أصلها صنهاجي وهو الاسم الذي  سيعرف في ما بعد مع دخول الفرنسيين (بأملاز) والتي أصبحت تعني اصطلاحا المترجم، ذالك أن هذه الفئة التي تبيع العلك وتتاجر فيه كانت على احتكاك سابق بالبرتغاليين والهولنديين قبل ذالك  وأصبح أفرادها  يتقنون بعض اللغات اللاتينية الأمر الذي مكنهم من التعامل بسرعة مع اللغة الفرنسية فاصبحوا بذالك (آماليز) وقد عرف من يستخرج  العلك بصورة يومية بالفزاع ومن يقضي فترة شهر في جمعه وتكديسه بالبضال، وتجمع على بضلان..

 

يقول ولد أحمد يوره في مقطوعته المشهورة:

 

أحبك حب العلك في المرصه رابحا    وحب ذوي البضلان ربح البدائل 

 

وقد تعددت الموانئ التي كانت متناثرة على شواطئ البلاد وجنت الجهات التي أقامتها الكثير من الأرباح من خلال جمع والمتاجرة  بتلك البضاعة التي كانت حينها تلقى رواجا كبيرا في معظم بلدان العالم إبان الثورة الصناعية..   

 

كانت بداية الاهتمام به والمتاجرة بهي  مع مطلع القرن السادس عشر بل وقبله حسب بعض المصادر التاريخية، أججت شركاته الكثير من الصراعات في المنطقة وقامت بالعديد من الأعمال الوحشية، واختطفت الكثير من علية القوم عبيدا بيعوا في أنحاء متفرقة من العالم، واستخدموا في حالات موثقة تاريخيا خدما في قصور بعض الملوك الأوربيون..

 

لم يكن جالبا للخير  والمال وحدهما بقدر ما كان جالبا للمآسي  والنكبات للبعض، ومع ذالك بقي سكان المناطق المنتجة له على صلة  دائمة غير منقطعة بشركاته رغما عنهم تحت ضغط الحاجة إلى مبادلته بحاجياتهم المختلفة والمتعددة كالملابس، والسكر، وغيرهم من متطلبات الحياة التي لا يمكن توفيرها إلا بمبادلة العلك أو بيعه نقدا..

 

بعد عقود من تراجع تجارته وأفول نجم ريادته في عالم التجارة، بدأت  الحياة تعود من جديد إلى عالمه وتتسلل تدريجيا إلى مصدره المتمثل في تلك الشجرة الشائكة التي تعرف بالقتاد (أوروار محليا)، حيث بدأت غاباته الكثيفة تنتشر في معظم المنطقة خاصة تلك  الواقعة على مقربة من سفوح (شمامه) والتلال والكثبان الرملية (وأكوادها): سهولها، المطلة على المنطقة الواسعة الممتدة بين مقاطعات المذرذرة، اركيز، روصو، كرمسين..

 

وقد مثلت تلك العودة المباركة بشارة خير بالنسبة للساكنة وأملا ظل مفقودا لعشرات السنين بسبب غيابها الكبير خلال السنين العجاف التي ضربت المنطقة مع مطلع الستينيات من القرن المنصرم..

 

عاد العكلك أو الضمغ العربي إلى الأسواق بعد صرم تطاول عهده حتى ظن الجميع أن لا تواصل بعده، ولكن العلك من شيمته الوفاء بالعهد وأهل الترارزة  ليس بإمكانهم نسيان  فضله عليهم وفوائده المتعددة التي لا يمكن حصرها دواء ومصدرا لجمع المال ونشب الحياة، فبدأ الكثير منهم منذ سنتين يعود إلى سوقه عند ما بدأ الطلب عليه يتزايد وبدأ التجار المحليون يقبلون على شرائه وبيعه باهتمام منقطع، فعاد المواطنون إلى جمعه، وتجميعه  بعد أن جربوا عدة وسائل للعمل والعيش، ولم يفلحوا في استقامة حياتهم من خلالها، فوجدوا فيه خير معين وأسهل وسيلة  للعيش وبدؤوا استخراجه كما كان آباؤهم يفعلون بذات الأدوات التي كان يستخرجه بها الأجداد منذ أزيد من ستة قرون، ولكن مع اختلاف واضح في تسميتها، حيث أطلقوا على الأداة  التي ينتزع بها من شجره (وخظة) بدلا من (السقدة)، والسلة التي يجمع فيها (الملكاطة) ، بدلا (سودو) والفزاع بدلا من البضال ..

 

بفضل الاهتمام المتزايد بهي لدى الشرائح الأكثر هشاشه، وإقبال التجار على شرائه من جانب عاد العلك بقوة إلى  سوق لكوارب وانتشر باعته في كل مكان وأصبح له سوق خاص بهي لا يمكن لزائر المدينة دخول أسواقها دون أن يلاحظه حيث أصبح (آماليص) وهم باعته ينشرونه في كل مكان وأصبح التجار يستقبلونهم ويقدمون لهم الهدايا من اجل أن يبيعوهم تلك البضاعة التي ارتفع  سعر الكيلوغرام الواحد منها في بعض الفترات إلى 1000 و 1500 أوقية بدلا من 500 أوقية قبل سنوات..

 

وعلى الرغم من غلاء سعره  في بعض المواسم فانك لا تنفك ترى  عشرات الأطنان منه مكدسة أمام المتاجر وباعته يصولون ويجولون وزنا وكيلا ومماكسة أحيانا مع بضالته أو مع من يشترونه للاستهلاك العادي أو مع الشاحنات التي تنقله إلى مختلف أنحاء الوطن الأخرى بل وفي أحايين أخرى خارجه..

 

كانت عودة العلك الميمونة إلى واجهة الاقتصاد وريادته في سوق التجارة بشارة خير  وبركة على العديد من المواطنين ممن يمموا وجوههم شطره وشمروا عن سواعد الجد من أجل  جمعه وتحصيله أسوة بسلفهم وبحثا عن وسيلة عيش سهلة ووسيلة تحسين للحياة، وقد نجح العديد منهم في تلك المهمة حيث أصبح البعض منهم تجارا متميزون وأصحاب سيارات وملاك أراضي ومزارعين، كل ذالك بفضل تلك المادة التي حبا الله بها هذه المنطقة    المباركة والهم أهلها استغلال شجرها الكثير والوفير المحصول ..

 

حيث أصبح اليوم يمثل رافدا حيويا ومهما ومساهما نشطا في الحركة الاقتصادية للولاية وعنصرا رائدا في تنميتها الاقتصادية والتجارية من خلال رواج كل ماله صلة بجنيه من أدوات ووسائل نقل كالسارات والعربات التي تجرها المواشي وبطاقات الهواتف النقالة وبصورة عامة جميع المواد التي يحتاج اليها  البصالة اثناء موسم حصاد العلك على موستوى الولاية..

 

تلكم هي حال مادة العلك في ولاية الترارزة سلة غذاء ودواء البلاد ومربع قراصنة شركات العلك والجلود ومرتع آماليص والبضالة.. فهنيئا لهم بعودة العلك جالب الثراء والرخاء إنشاء الله..

 

 تحقيق ـ محمد يحي العتيق

 

 

      

إقبال الباعة والمشترين كبيرا على سوق "العلك" في روصو (لكوارب)
مصدر "العلك" في مناطق قريبة من روصو (لكوارب)