إعلان

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

من أيام التاكلالت

اثنين, 2020/05/18 - 9:23ص
سيدي محمد ولد متالي

يتوافد الناس في عطلة الصيف إلى القرية، ويبدأون البحث عن مجال لتزجية الفراغ، فينتظم الطلاب الراجعون من المدينة في الدروس المحظرية الصباحية والمسائية، وتنشغل النساء ب(اتويزه) ، ويبالغ الأطفال في اللعب والشيطنة.

 

وكان عصر (الْبَارِّينْ) عندما ينتهون من الدرس المحظري عند أيمين، يعرجون على المنزل لتناول الشاي،وللتكرار؛ (فمن ترك التكرار لا بد أن ينسى)، ثم يمتد الحديث ويتنوع، ليأخذ مسارات مختلفة عن أيامهم في الإعدادية والثانوية، وعن الأساتذة الذين درسوهم، وحكاياتهم الطريفة معهم، ثم يعرجون على سياسة الدولة، وحرب الصحراء التي كانت قائمة آنذاك؛ وأخيرا يرسو الحديث في مرفإ الأدب، وعندها أتطلع، وأتحلل من المهام الموكلة إلي، وأبدأ الإنصات إلى ما سيتحفوننا به من جديد لغن، والشعر.

 

وكان جمال –رحمة الله عليه- راوية، ثاقب الفكر، حاضر البديهة، واسع الاطلاع، وكثيرا ما أسمعنا قصائد، واطْلِعْ لم نكن سمعناها من قبل. وتبدأ الآراء تترى حول النصوص، فيقدم سيد محمود ول الهلال رأيا، ويُثَنِّي عبد الله ول أبوبكر بآخر، ويدلي محمد ول سيدي بوجهة نظر، ويعلق يحي ول البراء برأي كذلك.

 

وكان نجم لغن اللامع في تلك السنة، الشاعر المعروف محمد عبد الرحمن ول الرباني ، فقد شكل مدرسة جديدة في لغن، لِمَا لقصائده من طول نفَس، وتوجه سياسي، مؤيد للدولة في نزاعها حول الصحراء؛ ولمميزاته الفنية التي تجعله قريبا من المتلقي؛ كاستخدامه لغة تُرَاوِح بين العامية ولغة الصحافة اليومية، وبراعته في التكرار والتجنيس، وطرافة السخرية والتهكم لديه، وحسن الإيقاع في نصوصه.

 

وجدناه فتحا جديدا في عالم لغن، بهرنا أيامها، واستحسنا مَنْحَاهُ الفني، وذات مرة قررنا أن نجاريه، ولنا حرية اختيار الموضوع.

 

وحدث في تلك الآونة أن انفرط عقد إحدى الأسر، وانقسم الناس ما بين محمل المرأة المسؤولية في ذلك، وما بين عاتب على الرجل؛ فاقترح جمال أن يكون طلبُ المرأةِ الطلاقَ من زوجِها، مضمارًا للمعارضة.

 

وقال على لسان ول الرباني:
دَوْرَانِـكْ طَلَاقِـــكْ يَـمِـنْـتْ++الْعَــمْ امْـبَـــانْ أَلَّا مَـا فِــتْ++ افْهَمْتُو غَيْرْ امْغَرَّشْ عِدْتْ++عَنْ خَالِكْ شِي دَارِكْ سَاقِكْ++
شَوْرْ ادُّورِي طَلَاقِكْ شِـتْ++كُــولِي لَسَــالِــكْ خَــلَّاقِــكْ++ عَـنْ دَوْرِتْ طَلَاقِـكْ وِاثْبِتْ++عَـنِّـكْ مَــا دِرْتِي طَـلَاقِـــكْ++ يَكُونْ إِلْ شِي،وِانْتِيَّ فِتْ ++تَـوْبَــه مُضَيَّـــقْ خِـنَــاقِــكْ++ ؤُلَا يِنْكَالْ اِنِّي بَعْدَ اكْرِدْتْ++طَــلَاقِــكْ، هَــاكِي مَسَاقِــكْ++ دَوْرَانِـكْ طَلَاقِــكْ بِالْـبَـــتْ++بُــرْهَـانْ اعْلَ سُوءْ أَخْلَاقِكْ++ وِارْتِـزَاقِــكْ ذِيكِي ثَـمْـرِتْ++سُــوءْ أَخْــلَاقِـكْ وِارْتِزَاقِــكْ++

 

أما أنا بدوري فقد اخترت موضوعا ظل يشغلني،حيث كنت أرى في تلك المهام البسيطة المسندة إلي أمرا عظيما. فأمي تلك الأيام دخلت في (اتويزة) الحصائر مع نساء في القرية، و كانت كل منهن تنسج حصيرا، ويعملن بشكل دوري، وهكذا أصبحت مسؤولة عن المنزل طيلة أيام في الأسبوع. فأمي تودعنا في الصباح، ولا تأتي إلا بعد المغرب منهكة. وحين يأتي الدور علينا، فإنه يكون يوم استنفار عظيم، طلبات لا تنتهي، وشاي لا يتوقف وأقداح تملأ بالزريك، ووو... أما الهم الأكبر الذي أحمله طوال الأسبوع، فهو تنظيف المكان من أعواد الحشيش والجلود، ولنستات، بعد يوم حافل بالشغل والضجيج.

 

هكذا قررت أن تكون زوجة ول الرباني من صاحبات (اتويزه)، وتركته يعبر عن مشاعره تجاهها فقلت:
مُلَاتْ الْخَيْمَه هُـونْ اتْــــرُوحْ++ مِنْ عَنْـــدْ اتْوَايِــزْهَا فِالرُّوحْ++ التَّالِي مَا يِـكْـدِرْ مَـصْلُـــــوحْ++ امْـــرَاجِـعْ يِـسْـمـِيهَـا مَا زَلْ++ وِالْخَـيْـمَه كِـلْ انْهَارْ اتْـفُــوحْ++ ؤُوِسْـطْ الْخَيْمَه عَـادْ إَجَـفَّـلْ++ مَا فِيهْ ادْفَ مَاهُـو مَكْشُـوحْ++ ؤُلَا شِي مَنْشُورْ ؤُلَاهُو ظَلْ++ وِالْيُــومْ اصْبَحْـتْ آنَ مَرْمُـوحْ++ وِاصْبَحْـتْ انْعَـوَّذْ وِانْبَسْمَـلْ++ تَحْتِي جِلْ ؤُفَوْكِي مَطْرُــوحْ++ جِـلْ، ؤُعَـنْـدْ ارْكَـابِـيَّ جِــلْ++ وِاحْذَايَ مَطْـرُوحْ أَلَحْــلُـــوحْ++ امَّـاسْ، ؤُتِـيـشِـرَّ، وِامْـخَــلْ++ تِـزْرِمْ مِنْ مِخْبَـاطْ ؤُمِنْ لَـوْحُ++ اكْـرِيـطْ، ؤُمِـنْ سَيْـرْ امْهَلْهَلْ++ وِاكْـلَعْـتِي جِلِّي بِالطَّـلْـبَـــه++بِانْــدَورْ، ؤُوَّاسِي، وِابْـذَ قَــلْ++ وِاتْـكُــــولْ انِّـي وِلْ اجِّـنْـبَـه++حَـتَّ، غَـيْـر انْتِي مِنْتْ اجِّلْ++

 

تلقف الحضور الطلعة، ونشروها في أطراف القرية، واشتد غضب نساء اتويزه، وشاع وذاع أن "ساما راما" هجتهـن، وشهرت بهن، وهكذا اعتذرن عن مساعدة أمي فأسقط في يدها، وطوت على مضض حصيرا طالما تمنت أن تكمله، وركنته في زاوية البيت.

 

وظلت أعواد الحصير المبعثرة على غير هدى، تشعرني دوما بعقدة الذنب، وكلما ألتمس منها العذر قائلة: "أمي صدقيني إنها رؤيا رأيتها بالشاعر"! تنظر إلي شزرا وتقول: (هَاذَ مَا اعْكَبْ الْحُطَيْئَه هُوَّ الِّي اشْمِتْ امُّو وِاعْكَبْ اشْمِتْ رَاصُو)!