إعلان

قناة لكــوارب

تابعونا على الفيس بوك

أحدث التعليقات

من الصّين إلى العالم.. هكذا انتقل الطّاعون بين الدول والممالك

اثنين, 2020/03/30 - 9:53ص

تفيد التقارير الإخبارية أن عددا كبيرا من حالات الإصابة من جراء وباء "كورونا" حدثت في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا.

 

ومن المفيد التذكير أن هذا الوباء يمثل حلقة ضمن سلسلة كوارث وآفات طبيعية شهدتها هذه الدول منذ القدم، توزعت بين مجاعات وأوبئة وهزات أرضية وسيول؛ ومن بينها وباء منتصف القرن الرابع عشر الميلادي/ القرن الثامن الهجري، الشهير باسم "الطاعون الأسود"، الذي شكل موضوع عدد كبير من الأبحاث والدراسات في تلك الأقطار، وما زالت بعض جوانبه موضوع نقاش إلى اليوم.

 

ويبدو أن هذا الاهتمام يتماشى مع حجم الكارثة البشرية التي ترتبت عنه؛ وخلافا لذلك، لم يخضع للبحث من قبل المهتمين بتاريخ الغرب الإسلامي، رغم أنه فتك بعدد هائل من السكان. ودليلنا فيما نذهب إليه أن بيبليوغرافية الأبحاث التي تناولته لا تتعدى بضعة عناوين، فضلا عن كون بعض النصوص الأساسية التي تهمه ظلت مخطوطة حتى السنين الأخيرة، ولم تعتمد إلا في نطاق محدود جدا.

 

وانطلاقا من هذه الاعتبارات، تسلط هسبريس عبر أربع حلقات الضوء على هذا الوباء وعلى نتائجه الديموغرافية في الأندلس.

 

الانتشار المجالي للطاعون

يفيدنا ابن خاتمة، انطلاقا من المعلومات التي أمده بها بعض "التقاة الواردين إلى ألمرية من سمرقند، بأن الوباء ظهر في بلاد الصين سنة 734 هجرية. وهي "أول المعمور من الأرض في جهة الشرق". ومنها سلك طريقا بريا إلى العراق وفلسطين وبلاد الشام ومصر. ثم سلك طريقا بحريا من مستوطنة كافا (Caff)، الجنوية على ساحل البحر الأسود، إلى القسطنطينية التي حل بها في يوليوز 1347. ومنها اجتاح جزر اليونان وجزيرة قبرص وكريت وصقلية وسردينيا، وجزيرتي مينورقة ومايوركا.

 

وانتقل إلى مدن إيطاليا وإلى مدن فرنسا عبر ميناء مرسيليا الذي "أرسى به" في فاتح نونبر 1347 ميلادية.

 

وانتشر الوباء بمدن جنوب فرنسا بين شهري يناير ويونيو 1348. ثم انتقل من "أرض فرنسة آخذا على ريف الأندلس". فتفشى في معظم الحواضر الساحلية بشبه جزيرة أيبيريا التي كانت تتألف آنذاك من مجموعة ممالك من بينها: مملكة ناﭬارا ومملكة قشتالة وليون ومملكة أرغون ومملكة البرتغال ومملكة غرناطة.

 

ويتضح من خلال هذه الإشارات أن الوباء سلك الطرق البحرية التي كانت تمخر عباب مياهها المراكب التجارية. كما سلك أهم الطرق البرية التي كان يعبرها الحجاج. ويتضح هذا الأمر بصفة خاصة في انتقال الوباء من فرنسا نحو شبه جزيرة أيبيريا كما سنرى بعد حين.

 

ويقتضي الموضوع في الحقيقة، تتبع رحلة الوباء من فرنسا نحو ممالك شبه جزيرة أيبيريا. وكذلك رحلته بين حواضر وقرى تلك الممالك. ولكن مثل هذه العملية صعبة نظرا لعدم توفر معطيات دقيقة حول أولى الوفيات التي ترتبت عنه هنا وهناك. ونظرا لكونه كان يتفشى بين الحواضر في أوقات متقاربة نسبيا.

 

ورغم هذا العائق، حاول أنطونيو أوبييطو أرتيتا (Antonio Ubieto Arteta) رصد كرونولوجيا انتشاره. وسنكتفي من جانبنا بالحديث عن مسيرته بين أبرز المحطات الأيبيرية. وسنسعى بموازاة ذلك إلى تقديم الحصيلة التي توصل إليها بعض الباحثين حول الخسائر البشرية التي ترتبت عنه في بعض مدن المجال المسيحي. بالإضافة إلى حصيلة الوفيات التي ترتبت عنه في بعض مدن المجال الإسلامي. ونروم من وراء ذلك مساعدة القارئ على تكوين فكرة عامة حول حجم تلك الخسائر في شبه جزيرة أيبيريا بشكل عام.

 

ضحايا الوباء

انتقل الوباء من فرنسا إلى مملكة ناﭬارا (Navarra) في أواخر فصل ربيع سنة 1348 ميلادية عبر الطريق الذي يسلكه الحجاج إلى كنيسة القديس شنت ياقب (Santiago de Compostela)، وسار بمحاذاة ساحل غيبوثكوى (Guipuzcoa) وبيسكاي (Biscaye)، وحط الرحال بربوع المملكة. وحين وصلها، وجد سكانها منهكين من جراء المجاعة التي انتشرت بينهم منذ الأشهر الأولى من السنة السابقة.

 

ويفيدنا موريس بيرث (Maurice Berthe)، الذي تناول جوانب من الموضوع، بأن مجاعة تلك السنة (1347) كانت أشد المجاعات التي شهدتها المملكة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، والتي أودت بحياة عدد كبير من السكان. وكمثال على ذلك، فقد أفنت قرابة 229 أسرة من بين 1800 أسرة كانت تستوطن القرى الواقعة بظهير بنبلونة وأعمالها.

 

وحين حل "الطاعون" بالمملكة، وجد مجتمعها على استعداد لتقديم مزيد من القرابين. ففتك بقرابة 50 بالمائة منهم، حسب تقديرات موريس بيرث، الذي يفيدنا بأن عدد سكان المملكة كان يبلغ حوالي 250 ألف نسمة قبيل سنة 1348. ولذلك استعمل عبارة "المذبحة" (l’hécatombe) لتقييم حجم الكارثة. احتذاء بـﯕي بوا (Guy Bois) الذي سبق له أن نعت منطقة نورمانديا الشرقية "بهروشيما" بسبب الخسائر البشرية التي شهدتها خلال الحقبة ذاتها من جراء الكوارث نفسها.

 

ويرى أنطون اركوريكا (Anton Erkoreka) بدوره أن نسبة الوفيات التي اقترحها موريس بيرث صائبة. واعتمد للقول بذلك على عدد الوفيات في أوساط رجال الدين الذين كانوا يعملون لحساب كاتدرائية بنبلونة زمن حدوث الوباء. فقد توفي تسعة عشر رجلا منهم، وكان عددهم 43 قبل حدوث الوباء.

 

ورغم أن حدة الوباء خفت نسبيا بالمملكة، إلا أنه لم يبرحها حتى منتصف القرن الخامس عشر، فكان يتراجع ليظهر مجددا على شكل موجات، كما حدث مثلا بين سنتي 1361-1362 وبين سنتي 1373-1374 وبين سني 1382-1383 وبين سنتي 1400-1402 وبين سنتي 1411-1413 وبين سنتي 1451-1452.

 

وكان الوباء ينتشر خلال الفترة ذاتها بمدن الساحل الجنوبي؛ فظهر بألمرية في أول شهر ربيع الأول من عام 749 هجرية/أول شهر يونيو 1348.

 

وكانت أولى مدن المجال الإسلامي بشبه جزيرة أيبيريا التي "أسرع" إليها الوباء، لاعتبارات جغرافية و"بيومناخية" شرحها ابن الخطيب. وقد تفشى في ربض يقع شمال شرق المدينة، يتألف معظم سكانه من "المساكين والضعفاء"، حسب ابن خاتمة. ثم انتقل إلى الربض المجاور، ومنه انتشر في باقي أرباض المدينة.

 

وأخذ في حصد الأرواح منذ ظهوره في أول شهر ربيع الأول من عام 749 هجرية/أول شهر يونيو 1348 حتى منتصف شهر ذي القعدة/أوائل فبراير 1349. حيث تراجعت حدته نسبيا. واستمر على هذه الوتيرة حتى آخر شهر جمادى الآخرة/آخر شهر شتنبر.

 

وقد بلغ عدد الوفيات في ألمرية، حسب ابن خاتمة، "نحو سبعين" فردا في اليوم خلال المدة التي انتشر فيها الوباء بالمدينة. و"هلك ببلنسية يوم العنصرة 1500 نسمة"، وتوفي في قرطبة حوالي 500 نسمة.

 

وبدأ الوباء يظهر في حواضر وقرى مملكة قشتالة في الأسابيع الأخيرة من سنة 1348 ميلادية/أواخر سنة 749 هجرية. وانتقل إليها من شنت ياقب عبر مسلكين، وفق إفادات أنطونيو أوبييطو ارتيتا.

 

ويجمع الباحثون المعاصرون الذين تحدثوا عن خسائره البشرية في هذه المملكة، أنه فتك بعدد كبير من سكانها. ولكنهم عجزوا عن تقديم حصيلة ضحاياه في المملكة ككل أو في مراكزها الحضرية الكبرى كطليطلة وبلنسية ومرسية على سبيل المثال، لأن الوثائق القشتالية لا تتضمن معطيات رقمية تساعد على ذلك، خلافا للوثائق الناﭬارية.

 

ومن بين تلك الوثائق، التقارير الصادرة عن المجلس (Concejo) المكلف بتدبير الشأن المحلي في مدينة مرسية التي نشر خوان طوريس فونتيس (Juan Torres Fontes) نماذج منها ضمن ملاحق بحثه حول "الطاعون" الذي حل بها. فقد اقتصر واضعوها على ترديد عبارة: "هذه الأراضي أضحت غير مأهولة".

 

ويبدو أن اهتمام المكلفين بتدبير الشأن المحلي بمرسية، وربما بغيرها من حواضر قشتالة، انصب على المشاكل التي ترتبت عن الوباء كمشكل انخفاض مداخيل الجبايات وارتفاع أسعار اليد العاملة. ولذلك لم يقوموا بإحصاء الوفيات. ونظرا لهذا القصور، اجتهد نيكولا كابريلانا (Nicolás Cabrillana)، واقترح رقما بخصوص خسائر مقاطعة بلنثيا (Palencia) ، فذكر أنها كانت موطنا لـ 420 "كومينوطة" عند مطلع القرن الرابع عشر، فحل بها الوباء. وعندما خفتت حدته نسبيا سنة 1353، كان قد فتك بـ 82 تجمعا، لم تبق سوى رسومها.

 

بينما اكتفى جون-بيير مولينا بانطباعات حول خسائر القرى التابعة لمدينة طليطلة. فذكر أن الوباء لم يستثنها وفتك بأهاليها. رغم أنه "كشر عن أنيابه في الحواضر". فقد زار تلك القرى في أواخر شهر فبراير 1349، ولم ينصرم الشهر الموالي حتى فتك بسكان دور "ضيعة أهين" (l’aldea d’ahin) وتركها خالية تماما.

 

"ملحمة" الوباء بمالقة

وفي شهر محرم أو صفر من سنة 750 هجرية/مارس-أبريل 1349، أخذ الوباء ينتشر بمدينة مالقة. ولكن إخباريي العصر لم يقدموا أخبارا عنه. ولحسن الحظ أورد كل من ابن الخطيب والنباهي المالقي معلومات عنه بالغة القيمة، جاءت في معرض ترجمتهما لبعض العلماء والأعيان والقضاة.

 

فقد تحدث ابن الخطيب عن حدوث الوباء بمالقة، وسماه "الطاعون الغريب" و"وقيعة الطاعون" و"الطاعون الأعظم". وجاءت هذه التسميات عند ذكره لوفاة بعض الأعلام كأبي جعفر أحمد بن محمد، المعروف بابن إسماعيل، الذي تولى قضاء مالقة ثم قضاء غرناطة، وأبي القاسم محمد بن عبد الله بن فرتون الأنصاري الذي خدم سلطان غرناطة.

 

ويبدو أن الوباء فتك بعدد كبير من أهالي مالقة، حسبما يتضح من حديث ابن الخطيب عن وفاة ابن إسماعيل. حيث يذكر أنه توفي في منتصف ليلة الجمعة خامس صفر عام 750 هجرية "أيام الطاعون الغريب"، وخرجت جنازته في اليوم الموالي "في ركب من الأموات" فاق عددهم 1200. واستمر الحال على المنوال نفسه مدة من الزمن.

 

وتحدث النباهي المالقي بدوره عن الوباء بمالقة. واستعمل في حديثه عبارتي "الوباء" و"الطاعون" دون تمييز على غرار الإخباريين. ولكنه أورد معلومات قيمة زاوج فيها بين "المقاربة الكيفية والمقاربة الكمية"، فذكر أن الكارثة كانت عامة و"عظيمة" ترتبت عنها خسائر بشرية كبيرة.

 

وعبر عن هاتين الحقيقتين بالكلمات في معرض ترجمته للقاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد الطنجالي. فقال: "إن بلد مالقة نجمت به بواكي الوباء الأعظم (...) في صدر عام 750 هجرية". ثم عاد في المقام نفسه ليذكر: "وحمى وطيس الطاعون الأعظم" خلال ذلك العام.

 

ويبدو أن أمر هذه الكارثة عظم على النباهي فحسِب ظهورها آنذاك "من علامات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم". واستحضر حديثا روي عنه عليه الصلاة والسلام في الموضوع.

 

ثم عبر عن الحقيقتين بالأرقام في معرض ترجمته للقاضي أبي جعفر أحمد بن إسماعيل سالف الذكر. فذكر أن أبا جعفر هذا "توفي بمالقة أيام الطاعون الكبير في منتصف ليلة الجمعة خامس صفر من عام 750 هجرية"، ووري الثرى في اليوم الموالي، و"صحب جنازته ركب من الأموات"، "كان عددهم يزيد على الألف". بينما جعل ابن الخطيب العدد 1200 كما ذكرنا سابقا.

 

وكان الركب يتألف، حسب النباهي، من عامة الناس وضمنهم ثلة من العلماء.

 

ويفيدنا النباهي، على غرار ابن الخطيب، بأن المدينة كانت تشيع كل يوم "ركبا" مؤلفا من "ألف" ضحية.

 

وهكذا لم تمض بضعة أشهر حتى "خلت الدور وعمرت القبور. وخرج أكثر الفقهاء والفضلاء والزعماء". فشهدت مالقة بحق "ملحمة وبائية"، عجز النباهي عن الحديث عن "غرائبها". وقد كان محقا فيما ذهب إليه؛ إذ بعد قرون طويلة عاد الباحثون الأوروبيون المعاصرون إلى وثائق العصر، فأقروا فعلا بحدوث "ملاحم" في حواضر أوروبا.

 

واستعمل أحدهم عبارة "المجزرة"، بينما استعمل آخر عبارة "هيروشيما" كما ذكرنا فيما مضى.

 

والجدير بالذكر أن "الملحمة" التي تحدث عنها النباهي لم تأت أية إشارة إليها في مقالة حول الوباء وضعها فقيه من مالقة سنة 844 هجرية.

 

ويتعلق الأمر برسالة، على لسان أهل مالقة، بعث بها عمر المالقي في ربيع الثاني من السنة المذكورة إلى السلطان محمد التاسع، الملقب بالغالب بأمر الله، يلتمس منه زيارة مالقة لتفادي الوباء الذي "ظهر" آنذاك في غرناطة.

 

ويثير هذا الأمر التساؤل حول سبب غياب أدنى إشارة إلى موجة الوباء الأولى التي اجتاحت مالقة سنة 750 هجرية. ويبدو أن مؤلف الرسالة، الذي لا نعلم شيئا عنه، ولد بعدها بعقود. وربما لهذا السبب لم يشر إليها.

 

ومهما يكن من أمر، فإن النباهي الذي أورد معلومات قيمة عن "ملحمة" مالقة لم يفته أن يشير إلى حدوث الوباء في جبل الفتح (جبل طارق) خلال السنة نفسها (750 ه)، فكان على أهلها أن يقدموا له أرواحهم وهم يئنون تحت وطأة الحصار الذي كان يضربه عليهم مسيحيو قشتالة بقيادة ملكهم الفنش بن هرانده بن شانجه (ألفونسو الحادي عشر).

 

وكان من الممكن أن "تتعاضد" المجاعة الناتجة عن الحصار مع الوباء، فيفنيان أهل الجبل عن آخرهم، لولا لطف الله. فقد هلك الملك القشتالي من جراء الوباء، فرفع القشتاليون الحصار، وبقي الوباء "ضيفا" على أهاليها، ولا نعلم شيئا عن عدد القرابين التي قدموها له قبل رحيله.

 

ورغم قلة المعلومات التي يتضمنها كتابا "الإحاطة" و"المرقبة العليا" حول الوباء بمالقة، لم يفت مؤلفيهما الإشارة إلى حدوث الوباء في بعض المراكز الصغرى التابعة لمملكة غرناطة مثل بلش ولورقة ورندة ولوشة ووادي آش وحصن قمارش. وجاءت تلك الإشارات عند ذكرهما لوفيات أعلام قدر لهم أن يلقوا حتفهم من جراء ظهور الوباء بهذه المراكز.

 

ومن الملفت للانتباه أن غرناطة، حاضرة مملكة بني نصر، تمثل لغزا محيرا. فابن الخطيب لم يوضح في مقالته ما إذا كان الوباء قد حدث بها أم لا، كما فعل ابن خاتمة بالنسبة لألمرية. وربما يفيد صمته بعدم حدوثه بها لبعدها عن الساحل ولكونها تقع في منطقة متضرسة لم يصل إليها "المرض الوافد".

 

وقد يعزز هذا الاحتمال تأكيد ابن تغري بردي بأن "الموت عم جزيرة الأندلس بكاملها إلا جزيرة غرناطة، فإنهم نجوا [أي أهاليها] ومات من عداهم". ولكن ابن الخطيب يقرن في كتاب "الإحاطة" وفاة علمين اثنين من أعلام غرناطة بالوباء. فهل مات كل واحد منهما ميتة طبيعية واقترنت وفاتهما بتفشي الوباء أم إنهما توفيا فعلا من جراء الإصابة بالوباء؟

 

يبدو أن بعض الباحثين العرب المعاصرين، ومن بينهم أحمد ثاني الدوسري ومحمد سيف الإسلام بوفلاقة، طرحوا السؤال الأخير ضمنا، وأجابوا عنه بالإيجاب. ولذلك تحدثوا عن حدوث "الطاعون" بغرناطة كما حدث بمالقة.

 

وعلى كل، فقد ذكر ابن الخطيب أن "أبا القاسم محمد بن محمد بن الحكيم اللخمي، كاتب الدار السلطانية وقاضي حاضرتها (...) توفي رحمه الله بغرناطة في السابع عشر من شهر ربيع الآخر عام 750 هجرية في وقيعة الطاعون. ودفن بباب البيرة". ثم ذكر أن أبا بكر عبد الرحمن بن عبد الملك الينشتي، "أحد المعروفين بالنبل والدهاء"، "توفي في الطاعون عام 750 هجرية بغرناطة".

 

وذهب الباحثان المذكوران أيضا إلى ربط وفاة شيخ ابن الخطيب أبي الحسن علي بن محمد بن الجياب "بالطاعون" مع أن ابن الخطيب، الذي خصه بترجمة وافية في كتابي "الإحاطة" و"الكتيبة الكامنة"، ذكر أن وفاته كانت "ليلة يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، ودفن بباب البيرة". ولم يشر إلى سبب وفاته.

 

وفي ضوء ما تقدم، نعتقد أن الوباء لم يتفش في غرناطة كما تفشى في مالقة وألمرية، وأن الوفيات التي حدثت في حاضرة بني نصر تكون قد حصلت نتيجة بؤرة وباء صغيرة ظهرت بالمدينة.

 

يوسف نكادي

أستاذ جامعي متقاعد