مرسوم منصات التواصل الاجتماعي في الغابون.. تنظيم أم تكميم للأصوات؟

أصدرت السلطات في الغابون مرسوما رئاسيا ينظم استخدام منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يكشف عن توتر عميق بين إرادة ضبط الفضاء الإلكتروني ومتطلبات الحرية التي يكفلها الدستور.

ووُقع المرسوم في 26 فبراير/شباط الماضي، غير أن نشره في الجريدة الرسمية لم يتم إلا خلال هذا الأسبوع، لتنطلق بعدها موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والحقوقية والرقمية. وقد جاء توقيت نشره لافتا، إذ تزامن مع استمرار الحجب الرسمي للشبكات الاجتماعية المفروض منذ فبراير/شباط الماضي، مما أعطى المرسوم الإطار القانوني الذي يضفي الشرعية على القيود القائمة ويمهد لما هو آت، حسب إذاعة فرنسا الدولية .

ما الذي يغيره المرسوم؟

يُرسي النص منظومة قانونية جديدة تمس صميم طريقة تعامل الغابونيين مع الفضاء الرقمي. إذ تلزم أحكامه كل مستخدم بالإفصاح عن هويته الكاملة مع حظر صريح لاستخدام الأسماء المستعارة، فيما تخضع الشركات للالتزام ذاته من خلال رقم تسجيلها التجاري، حسب ما أفادت الصحف المحلية.

ولا تقف الإشكالية عند حدود الهوية، بل تمتد إلى مسألة المسؤولية القانونية عن إعادة النشر، إذ يقرر المرسوم أن إعادة نشر تغريدة أو تمرير مقطع عبر واتساب أصبحت فعلا موجبا للمساءلة القضائية كما لو كان المستخدم هو من أنشأ المحتوى.

وعلى صعيد حماية القاصرين، يحظر المرسوم على مَن هم دون السادسة عشرة الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة تصفها الحكومة باستلهام من تجارب دولية مماثلة، كما أفاد موقع "غابون ريفيو" (Gabon Review). أما العقوبات فتبلغ حدها الأقصى بحق المحترفين والمؤسسات بالسجن حتى عام كامل وغرامات تصل إلى 50 مليون فرنك أفريقي (نحو 81 ألف دولار) في حالات رفض إزالة المحتوى المحظور أو التقاعس عن التعاون مع السلطات.

 

دستور مهدد وديمقراطية في خطر أم حماية للمجتمع؟

لم تتأخر ردود الفعل الرافضة. فقد نقلت إذاعة فرنسا الدولية وصف النائب السابق في البرلمان الانتقالي مارسيل ليباما المرسوم بأنه "انهيار لحرية التعبير وللديمقراطية في البلاد"، مضيفا أن النص "يتعارض صراحة مع الدستور الغابوني".

ويرى المنتقدون أن الخطر الأكبر لا يكمن في العقوبات الصريحة بقدر ما يكمن في أثرها على الفضاء العام، إذ تبني هذه الأحكام مجتمعة بنية قانونية تجعل حرية التعبير الرقمي موجودة على الورق، لكنها محفوفة بمخاطر كافية لدفع كثير من المواطنين إلى الصمت بدافع الحيطة، بحسب وصف موقع "ديراكت إنفو غابون" (Direct Infos Gabon).

في المقابل، لا يخلو المشهد من أصوات مؤيدة؛ إذ يرى المدافعون عن المرسوم أن إلزام المستخدمين بإعلان هويتهم يضع حدا للتشهير والانتحال وحملات التحريض التي تنطلق من وراء أسماء وهمية، معتبرين أن المساءلة شرط لازم لأي خطاب رقمي مسؤول، بحسب الإذاعة الفرنسية.

سياق لا يمكن إغفاله

لا تمكن قراءة هذا المرسوم بمعزل عن السياق الذي وُلد فيه، فالسلطات تقدمه رسميا بوصفه إجراء لتحميل المستخدمين المسؤولية وحماية القاصرين والحد من تجاوزات الذكاء الاصطناعي، غير أن كثيرين يرون خلف هذه الأهداف المعلنة إرادة لمزيد من السيطرة على الخطاب العام، بحسب موقع ليدجلي (Ledjely) الغيني.

وما يزيد المشهد تعقيدا أن الرئيس بريس أوليغي نغيما، الذي وصل إلى السلطة عقب انقلاب 2023 ثم انتخب لاحقا، يواجه إضرابات في قطاعات التعليم والصحة والإعلام العمومي تركز مطالبها على تحسين الرواتب وظروف العمل، مما يجعل توقيت المرسوم مثار تساؤل جدي لدى المراقبين.

فهل ستفضي هذه القواعد الجديدة إلى فضاء رقمي أكثر نزاهة ومسؤولية، أم أنها سترسخ نمطا باتت تعرفه كثير من عواصم القارة وهو نمط توظيف ذريعة "تنظيم الإنترنت" لتضييق هامش المعارضة في لحظات الهشاشة السياسية؟

 

16 April 2026